والفصل بين « أيّ » ، وبين « هذا » أنّ « هذا » اسم للإشارة ، فهو يكتفي بما فيه من الإيماء .
و « أيّ » مجازها مجاز « ما » و « من » ، تكون اسما في الخبر بصلة ، وتكون استفهاما ومجازاة ، فتقول : « أيّهم في الدار » ؟ كما تقول : « من في الدار » ؟ و « ما عندك » ؟ إلّا أنّ « أيّا » يسأل بها عن شيء من شيء . تقول : « أيّ القوم زيد » ؟ ف « زيد » واحد منهم ، و « أيّ بنيك أحبّ إليك » .
و « من » لا تكون إلّا لما يعقل . تقول : « من في الدار » ؟
فالجواب : « زيد » ، أو « عمرو » ، وما أشبه ذلك ، وليس جوابه أن تقول : « فرس » أو « حمار » ، أو « طعام » ، أو شراب » .
ولو قلت : « أيّ الآلة عندك » ؟ أو « أيّ الظّهر عندك » ؟ ، أجبت عن هذا على مقدار المسألة .
و « ما » تقع على كلّ شيء ، وحقيقتها أن يسأل بها عن ذوات غير الآدميّين ، وعن صفات الآدميّين .
تقول : ما عندك » ؟ فتجيب عن كلّ شيء ما خلا من يعقل .
فأمّا وقوعها على صفات الآدميّين فأن تقول : « ما زيد » ؟ فيقول لك : « طويل » ، أو « شريف » ، أو نحو ذلك .
فإذا أقمت الصفة مقام الموصوف ، أوقعتها على من يعقل ، وإقامة الصفة مقام الموصوف كقولك : « مررت بظريف » ، و « مررت بعاقل » ، فإنّما حدّ هذا أن يكون تابعا للاسم ، وأقمته مقامه .
فممّا وقعت « ما » فيه على الآدميّين قول اللّه :
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
« 1 » .
وقال قوم : « ما » وصلتها مصدر ، فمعناه : أو ملك أيمانهم ، وهذا أقيس في العربيّة .
وقال اللّه عزّ وجلّ :
وَالسَّماءِ وَما بَناها
« 2 » ، فقال قوم : إنّما هو : والسماء وبنائها ، وقال قوم : معناه : ومن بناها على ما قيل فيما قبله .
فأمّا وقوع هذه الأسماء في الجزاء ، وفي معنى الذي ، فبيّن واضح ، نحو : « من يأتني آته » و
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
« 3 » ، و
أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ
هامش
( 1 ) المؤمنون : 5 ، 6 .
( 2 ) الشمس : 5 .
( 3 ) فاطر : 2 .