ولا يجوز أن تفصل بين الخافض والمخفوض في الضرورة إلّا بحشو كالظروف وما أشبهها ممّا لا يعمل فيه الخافض ؛ كما تقول : " إنّ اليوم زيدا منطلق " . ولو كان مكان " اليوم " ما تعمل فيه " إنّ " لم يقع إلى جانبها إلّا معمولا فيه . ولولا أنّ هذه القوافي مخفوضة ، لاختير في هذين البيتين الرفع ، وتوقع " كم " على مرار من الدهر ، فتكون " كم " ظرفا منصوبا ؛ لأنّ " كم " اسم للعدد ، فهي واقعة على كلّ معدود .
وتقول : " كم رجلا جاءك " ؟ فإنّما تسأل بها عن عدد الرجال .
وتقول : " كم يوما لقيت زيدا " ؟ فتنصبها ؛ لأنّها واقعة على عدد الأيّام و " اللقاء " العامل فيها ، فكذا كلّ مبهم .
ولو قلت : " كم يوما لقيت فيه زيدا " ؟ لكانت " كم " في موضع رفع ، كأنّك قلت :
أعشرون يوما لقيت فيها زيدا ؟ إلّا أنّ " كم " في هذا الموضع استفهام . فهي في أنّها اسم وأنّها الحرف المستفهم به بمنزلة " من " ، و " ما " ، و " أين " ، و " متى " ، و " كيف " وإن كانت المعاني مختلفة ؛ لأنّ " من " إنّما هي لما يعقل خاصّة حيث وقعت : من خبر ، أو استفهام ، أو جزاء ، أو نكرة .
و " ما " لذات غير الآدميّين ، ولصفات الآدميّين .
و " أين " للمكان ، و " متى " للزمان ، و " كيف " للحال ، و " كم " للعدد ، فهي داخلة على جميع هذا إذا سألت عن عدد نوع منها ؛ نحو : " كم مكانا قمت " ؟ و " كم يوما صمت " ؟
و " كم حالا تصرّفت عليها " ؟ ونحو ذلك .
* * *
هامش
وجملة " كم قد فاتني " : ابتدائية لا محل لها من الإعراب . وجملة " فاتني " : في محل رفع خبر المبتدأ .
الشاهد فيه قوله : " كم قد فاتني بطل " حيث فصل بين " كم " وتمييزها بالجملة " قد فاتني " . ويروى البيت برفع " بطل " ، وفي هذه الرواية كما أثبتها سيبويه لا شاهد على هذا الفصل ، وإنما الشاهد فيه وقوع " كم " ظرفا لتكثير المرار .
ملاحظة : قال الشيخ عبد الخالق عضيمة ( المقتضب 3 / 62 ) : " ضبط في نسخة سيبويه المطبوعة برفع " بطل " وصفته وما عطف عليه ، والصواب كسرها ، فإنّ القوافي مجرورة كما يقول المبرد " .
ولكن أثبت السيرافي في كتابه " شرح أبيات سيبويه " هذا البيت مع بيت آخر مضموم الرويّ ، كما أثبته محقق هذا الكتاب ضمن مقطوعه مضمومة الرويّ .