يريد : يا دهر ، ما كان مشيي رقصا . وهذا لا يعرفه المفسّرون ، ولا النحويّون ، لا يعرفون " أم " زائدة ولكن إذا عرض الشيء في الباب ذكرناه ، وبيّنّا عنه .
* * * وتقول : " ليت شعري أزيد في الدار أم عمرو " ، و " ما أبالي أقمت أم قعدت " ، و " سواء عليّ : أذهبت أم جئت " ، وقد ذكرنا هذا قبل ، ولكن رددناه لاستقصاء تفسيره ؛ لأنّ هذا ليس باستفهام ، ولا قولك : " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو " . إنّما هو أنّك قد علمت أنّ أحدهما في الدار . لا تدري أيّهما هو ؟ فقد استويا عندك ، فهذه الأشياء التي وصفنا مستوية ، وإن لم تكن استفهاما .
فالتسوية أجرت عليه هذه الحروف ؛ إذ كانت لا تكون إلّا للتسوية .
والدليل على ذلك أنّ " أيّا " لا تكون إلّا لهذا المعنى داخلة على جميعها .
ألا ترى أنّك إذا قلت : " أزيد في الدار أم عمرو " ؟ فمعناه : أيّهما في الدار ، وإذا قلت :
" سواء عليّ أذهبت أم جئت " ، فمعناه : سواء عليّ أيّ ذلك كان ، كما تقول : " ما أبالي أقمت أم قعدت " ، أي : ما أبالي أيّ ذلك كان ، وليت شعري ! أيّ ذلك كان .
ألا ترى أنّه لا يدخل على الاستفهام من الأفعال إلّا ما يجوز أن يلغى ؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، وهذه الأفعال هي التي يجوز ألّا تعمل خاصّة ، وهي ما كان من العلم والشكّ فعلى هذا :
لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ
" 1 "
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ
" 2 " ؛ لأنّ هذه اللام
هامش
الحافظ ص 656 ؛ ولسان العرب 12 / 36 ( أمم ) ؛ والمنصف 3 / 118 .
اللغة : الرّقص : النقزان من النشاط ، والتوقّص هو تقارب الخطو في المشي .
المعنى : يشكو من دهره بقوله أنا في حداثة سني وشبابي لم أمش بعافية ، بل كانت مشيتي دائما كمشية الشيوخ العاجزين .
الإعراب : يا : حرف نداء . دهر : منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب . أم : زائدة .
ما : نافية . كان : فعل ماض ناقص . مشيي : اسم ( كان ) مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم ، و " الياء " :
مضاف إليه . رقصا : خبر ( كان ) منصوب . بل : حرف إضراب إبطالي . قد : حرف تقليل . تكون : فعل مضارع ناقص مرفوع . مشيتي : اسم ( تكون ) مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم ، و " الياء " : مضاف إليه . توقّصا : خبر ( تكون ) .
جملة " يا دهر " : ابتدائية لا محل لها . وجملة " ما كان مشيي رقصا " : استئنافية لا محل لها ، وكذلك جملة " قد تكون مشيتي توقصا " .
والشاهد فيه : أن ( أم ) زائدة عند بعض النحاة .
( 1 ) الكهف : 12 .
( 2 ) البقرة : 102 .