تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقتضب — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
والموضع الثاني : أن تكون منقطعة ممّا قبلها ، خبرا كان أو استفهاما ، وذلك قولك فيما كان خبرا : " إنّ هذا لزيد أم عمرو يا فتى " . وذلك أنّك نظرت إلى شخص ، فتوهّمته " زيدا " ، فقلت على ما سبق إليك ، ثمّ أدركك الظنّ أنّه " عمرو " ، فانصرفت عن الأوّل ، فقلت : " أم عمرو " مستفهما . فإنّما هو إضراب عن الأوّل على معنى " بل " ، إلّا أنّ ما يقع بعد " بل " يقين ، وما يقع بعد " أم " مظنون مشكوك فيه ، وذلك أنّك تقول : " ضربت زيدا " ناسيا أو غالطا ، ثمّ تذكر أو تنبّه ، فتقول : " بل عمرا " مستدركا مثبتا للثاني ، تاركا للأوّل . ف " بل " تخرج من غلط إلى استثبات ، ومن نسيان إلى ذكر . و " أم " معها ظنّ أو استفهام ، وإضراب عمّا كان قبله . ومن ذلك : " هل زيد منطلق أم عمرو يا فتى قائما " . أضرب عن سؤاله عن انطلاق " زيد " ، وجعل السؤال عن " عمرو " . فهذا مجرى هذا ، وليس على منهاج قولك : " أزيد في الدار أم عمرو " وأنت تريد : أيّهما في الدار ؟ لأنّ " أم " عديلة الألف ، و " هل " إنّما تقع مستأنفة . ألا ترى أنّك تقول : " أما زيد في الدار " على التقرير ، وتقول : " يا زيد ، أسكوتا والناس يتكلّمون " ؟ توبّخه بذلك وقد وقع منه السكوت ، ولا تقع " هل " في هذا الموضع . ألا ترى إلى قوله [ من الرجز ] : *
أطربا وأنت قنّسريّ
[ 1 ] * وإنّما هو : أتطرب وهو في حال طرب ؟ وذلك لأنّ " الألف " و " أم " حرفا الاستفهام اللذان يستفهم بهما عن جميعه ، ولا يخرجان منه . وليس كذا سائر حروف الاستفهام ؛ لأنّ كلّ حرف منها لضرب لا يتعدّى ذلك إلى غيره . ألا ترى أنّ " أين " إنّما هي سؤال عن المكان لا يقع إلّا عليه . و " متى " سؤال عن زمان ، و " كيف " سؤال عن حال ، و " كم " سؤال عن عدد . و " هل " تخرج من حدّ المسألة ، فتصير بمنزلة " قد " ، نحو قوله عزّ وجلّ :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
" 2 " .
هامش
[ 1 ] تقدم بالرقم 325 . ( 2 ) الإنسان : 1 .