الكوفيين ، ولم يزل ملازما له ، وآخذا عنه حتى برع من بين أصحابه . فكان أبو العباس لا يقرئ أحدا كتاب سيبويه حتى يقرأه على إبراهيم ويصحّح به كتابه ؛ فكان ذلك أول رئاسة أبي إسحاق " " 1 " .
وما لبثت أن تطوّرت عداوة الرجلين إلى هجاء ، فقال المبرّد [ من السريع ] :
أقسم بالمبتسم العذب * ومشتكى الصّبّ إلى الصّبّ
لو أخذ النحو من الرّبّ * ما زاده إلّا عمى القلب " 2 "
ولما سمع ثعلب هذين البيتين ، تمثّل بقول الشاعر [ من السريع ] :
أسمعني عبد بني مسمع * فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له * ومن يعضّ الكلب إن عضّا " 3 "
وروي أنّ المبرّد بلغه أنّ ثعلبا نال منه ، فقال [ من مجزوء الرمل ] :
ربّ من يعنيه حالي * وهو لا يجري ببالي
قلبه ملآن منّي * وفؤادي منه خالي " 4 "
وكان أكثر أهل التحصيل يفضّلون المبرّد " 5 " وقد مرّ معنا منذ قليل أقوال بعض الشعراء في هذا التفضيل " 6 " .
" وكان المبرّد يحبّ الاجتماع في المناظرة بثعلب والاستكثار منه ، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه ، وحكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الفقيه الموصليّ ، وكان صديقهما ، قال : قلت لأبي عبد اللّه الدينوريّ ، ختن ثعلب [ أي : زوج ابنته ] : لم يأبى ثعلب الاجتماع بالمبرّد ؟ فقال : لأنّ المبرّد حسن العبارة ، حلو الإشارة ، فصيح اللسان ، ظاهر البيان ، وثعلب مذهبه مذهب المعلّمين ، فإذا اجتمعا في محفل ، حكم للمبرّد على الظاهر إلى أن يعرف الباطن " " 7 " .
وكان أبو علي الدينوريّ هذا يخرج من منزل ثعلب ، " وهو جالس على باب داره ، فيتخطّى أصحابه ، ويمضي ومعه محبرته ودفتره ، فيقرأ كتاب سيبويه على محمد بن يزيد
هامش
( 1 ) طبقات النحويين واللغويين ص 118 - 119 ؛ وانظر : إنباه الرواة 3 / 249 - 250 .
( 2 ) إنباه الرواة 3 / 248 ؛ وطبقات النحويين واللغويين ص 113 .
( 3 ) إنباه الرواة 3 / 248 ؛ وطبقات النحويين واللغويين ص 113 - 114 .
( 4 ) معجم الأدباء 19 / 120 .
( 5 ) أخبار النحويين البصريين ص 109 ؛ وبغية الوعاة 1 / 270 ؛ ومعجم الأدباء 19 / 114 .
( 6 ) راجع فقرة " أقوال العلماء والشعراء فيه " .
( 7 ) وفيات الأعيان 4 / 314 ؛ وشذرات الذهب 2 / 191 ؛ ومعجم الأدباء 19 / 118 ؛ وطبقات النحويين واللغويين ص 158 .