" وحكي أنّ بعض الأكابر من بني طاهر سأل أبا العباس ثعلبا أن يكتب له مصحفا على مذهب أهل التحقيق ، فكتب : " والضّحى " بالياء ، ومذهب الكوفيين أنه إذا كان كلمة من هذا النحو أولها ضمّة أو كسرة ، كتبت بالياء ، وإن كانت من ذوات الواو ، والبصريون يكتبون بالألف ، فنظر المبرد في ذلك المصحف ، فقال : ينبغي أن يكتب : " والضّحا " بالألف ، لأنه من ذوات الواو ، فجمع ابن طاهر بينهما ، فقال المبرّد لثعلب : لم كتبت : " والضّحى " بالياء ؟
فقال : لضمّة أوله . فقال له : ولم إذا ضمّ أوّله ، وهو من ذوات الواو تكتبه بالياء ؟ فقال : لأنّ الضمة تشبه الواو ، وما أوّله واو يكون آخره ياء ، فتوهّموا أنّ أوله واو ، فقال المبرّد : أفلا يزول هذا التوهّم إلى يوم القيامة " ؟ " 1 " .
13 - منهجه النحويّ :
كان المبرد آخر أئمة المدرسة البصرية المهمّين ، فهو ، بحسب تعبير ابن جني : " يعدّ جيلا في العلم ، وإليه أفضت مقالات أصحابنا ( يريد البصريين ) ، وهو الذي نقلها وقرّرها ، وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها " " 2 " ، وقال الأزهري في مقدّمة معجمه " تهذيب اللغة " : " كان أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه " .
والمبرّد لم يذكر الكوفيين في كتابه " المقتضب " إلّا نادرا " 3 " ، وكنى عنهم ب " قوم من النحويين " " 4 " ، أو " قوم " " 5 " .
وقد اتسم منهجه البصريّ بما يلي :
1 - كثرة الاستشهاد بآيات القرآن الكريم ، وقد تجاوزت هذه الآيات الخمسمائة .
2 - الإكثار من الاستشهاد بالشواهد الشعرية التي يحتج بها ، وقد بلغت هذه الشواهد 560 شاهدا ، وقد كرّر المبرّد بعضها .
3 - قلّة أو ندرة الاستشهاد بالحديث النبويّ الشريف ، وذلك على منهج معظم
هامش
- على هذه القصة فقال :
" لا أدري ، لم لا يجوز هذا ؟ وما أظنّ أحدا ينكر قول القائل : " رأيت الفرسين مركوبي زيد " ، ولا " الغلامين عبدي عمرو " ، ولا " الثّوبين درّاعتي زيد " ، ومثله : " مررت بالزيدين ظريفي عمرو " ، فيكون مضافا إلى " عمرو " ، وهو صفة ل " زيد " ، وهذا ظاهر لكلّ متأمّل " ( معجم الأدباء 5 / 112 ) .
( 1 ) معجم الأدباء 19 / 118 - 119 .
( 2 ) سرّ صناعة الإعراب 1 / 129 - 130 .
( 3 ) انظر : ج 2 ، ص 446 .
( 4 ) باب الأمر والنهي ، ج 2 ، ص 423 .
( 5 ) ج 2 ، ص 382 .