جعل اللّه تعالى قربان أمّة نبيه صلّى اللّه عليه وآله في بطون فقرائها ومساكينها ؛ فمن قبل ذلك منه أضعف له أضعافا مضاعفة ومن لم يقبل منه رفعت عنه عقوبات الدنيا .
ومنها : أنّ اللّه كتب عليهم في التوراة القصاص في القتل ، والجراح ، ولم يرخّص لهم في العفو وأخذ الدّية ؛ ولم يفرّق بين الخطأ والعمد في وجوب القصاص وقال :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
« 1 » ثمّ خفّف عنا في ذلك فخيّر بين القصاص والدية والعفو ، وفرّق بين الخطأ والعمد ، فقال تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
إلى قوله :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
« 2 » .
ومن ذلك : تخفيف اللّه عزّ وجلّ عنهم في أمر التوبة ، فقال لبني إسرائيل :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
« 3 » فكانت توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا الأب ابنه ، والابن أباه ، والأخ أخاه ، والامّ ولدها ، ومن فرّ من القتل أو دفع عن نفسه أو ألقى السيف بيده أو رحم على ذي رحمة لم يقبل توبته ، ثمّ أمرهم اللّه تعالى بالكفّ عن القتل بعد أن قتلوا سبعين ألفا في مكان واحد ، فهذا توبتهم ، وجعل توبتنا الاستغفار باللسان ، والندم بالجنان ، وترك العود بالأبدان ، فقال عزّ وجلّ :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
« 4 » الآية وقال :
أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
« 5 » ، وقال :
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
هامش
( 1 ) المائدة : 45 .
( 2 ) البقرة : 178 .
( 3 ) البقرة : 54 .
( 4 ) آل عمران : 135 .
( 5 ) المائدة : 74 .