فَمَنْ هَاهُنَا كَانَ ذَبَحَهُ « 1 » ؟ » .
هامش
( 1 ) . قال الشيخ الصدوق في جملة من كتبه : « قد اختلفت الروايات في الذبيح ، فمنها ما ورد بأنّه إسماعيل ، ومنها ما ورد بأنّه إسحاق ، ولا سبيل إلى ردّ الأخبار متى صحّ طرقها ، وكان الذبيح إسماعيل ، لكنّ إسحاق لمّا ولد بعد ذلك تمنّى أن يكون هو الذي امر أبوه بذبحه ، وكان يصبر لأمر اللَّه عزّوجلّ ويسلّم له كصبر أخيه وتسليمه ، فينال بذلك درجته في الثواب ، فعلم اللَّه عزّوجلّ ذلك من قلبه ، فسمّاه بين ملائكته ذبيحاً ؛ لتمنّيه لذلك » . وقال في الفقيه : « وقد ذكرت إسناد ذلك في كتاب النبوّة متّصلًا بالصادق عليه السلام » وقال العلّامة الفيض : « لعلّ معنى قوله : فمن هاهنا كان ذبحه ؟ أنّه لمّا لم يكن هناك سوى إبراهيم وأهله وولده إسماعيل الذي كان يساعده في بناء البيت دون إسحاق ، فمن كان هاهنا ذبحه إبراهيم ؟ يعني لم يكن هناك إسحاق ليذبحه . قوله : فمن زعم ، إلى آخره ، لعلّه من كلام بعض الرواة » ، ثمّ نقل ما نقلناه عن الشيخ الصدوق وقال : « أقول : لا يخفى أنّ حديث أبي بصير الذي مضى في قصّة الذبيح من الكافي - وهو الحديث العاشر الآتي هنا - لا يحتمل هذا التأويل ، وحمله على التقيّة أيضاً بعيد ، وكأنّهم عليهم السلام كانوا يرون مصلحة في إبهام الذبيح ، كما يظهر من بعض أدعيتهم ، ولذا جاء فيه الاختلاف عنهم ، وكانا جميعاً ذبيحين ، أحدهما بمنى ، والآخر بالمُنى » .
وقال العلّامة الشعراني ذيل قوله : « وكانا جميعاً ذبيحين » : « هذا هو الوجه الذي اختاره الصدوق بعينه ، وما ذكره المصنّف من استبعاد التقيّة صحيح ؛ فإنّه لا وجه للتقيّة مع عدم الخوف من إظهار الفتوى في هذه الأمور التي لا تتعلّق بسياسة الخلفاء وعمل الناس في مذهبهم ، مع كونهم مختلفين ، ولا بدّ من الاعتقاد بأنّ في هذه الروايات المنقولة ما ليس صادراً عنهم ، كما قاله المفيد رحمه الله . والجمع الذي اختاره الصدوق أحسن وإن لم يوافقه لفظ بعض الأحاديث ؛ إذ لا نريد أن يكون جميع الألفاظ منطبقة عليه ، فلعلّه من تصرّفات الرواة » .
وأمّا العلّامة المجلسي فإنّه قال : « قوله : فمن هاهنا كان ذبحه ؟ غرضه رفع استبعاد لكون إسحاق ذبيحاً بأنّ إسحاق كان بالشام ، والذي كان بمكّة إسماعيل فكون إسحاق ذبيحاً مستبعد ، فأشار المؤلّف رحمه الله هاهنا إلى أنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام قد حجّ مع أهله وولده ، فيمكن أن يكون الأمر يذبح إسحاق في هذا الوقت .
واعلم أنّ المسلمين اختلفوا في أنّ الذبيح إسماعيل أو إسحاق ، مع اتّفاق أهل الكتاب على أنّه إسحاق ، وكذا اختلف أخبار الخاصّة والعامّة في ذلك ، لكنّ القول بكونه إسحاق أشهر بين المخالفين ، كما أنّ القول بكونه إسماعيل أشهر بين الإماميّة ، فحمل الأخبار الدالّة على كونه إسحاق عليه السلام على التقيّة أظهر . ويظهر من الكليني رحمه الله أنّه في ذلك من المتوقّفين ، ولا يبعد حمل الأخبار الدالّة على كونه إسحاق عليه السلام على التقيّة » . ثمّ نقل ما نقلناه عن الشيخ الصدوق وقال : « أقول : لا ينفع هذا في أكثر الأخبار المصرّحة بكون الذبيح حقيقة هو إسحاق ، ويمكن القول بصدورهما معاً إن لم يتحقّق إجماع على كون الذبيح أحدهما فقط » . وراجع : الخصال ، ص 58 - 57 ، باب الاثنين ، ذيل ح 78 ؛ عيون الأخبار ، ج 1 ، ص 212 ، ذيل ح 1 ؛ الفقيه ، ج 2 ، ص 230 ، ذيل ح 2278 ؛ الوافي ، ج 12 ، ص 149 - 150 ؛ مرآة العقول ، ج 17 ، ص 38 - 39 .