تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكافي ( دار الحديث ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
هامش
صورة وسحاب انفصلت منه في عالمي الملكوت والجبروت . وكما أنّ البقلة والثمرة تتربّى بصورتها الملكيّة ، كذلك تتربّى بصورتها الملكوتيّة والجبروتيّة المخلوقتين من ذكر اللَّه تعالى اللتين من شجرة المزن الجناني . وكما أنّهما تتربّيان بها قبل الأكل ، كذلك تتربّيان بها بعد الأكل في بدن الآكل ؛ فإنّها ما لم تستحلّ إلى صورة العضو فهي بعد في التربية . فالإنسان إذا أكل بقلة أو ثمرة وذكر اللَّه عزّوجلّ عندها ، وشكر اللَّه تعالى عليها وصرف قوّتها في طاعة اللَّه سبحانه والأفكار الإيمانيّة والخيالات الروحانيّة ، فقد تربّت تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء المزن الجناني ، فإذا فضلت من مادّتها فضلة منويّة فهي من شجرة المزن التي أصلها في الجنّة ، وإذا أكلها على غفلة من اللَّه سبحانه ، ولم يشكر اللَّه عليها ، وصرف قوّتها في معصية اللَّه تعالى والأفكار المموّهة الدنيويّة والخيالات الشهوانيّة ، فقد تربّت تلك البقلة أو الثمرة في جسده بماء آخر غير صالح لخلق المؤمن إلّاأن يكون قد تحقّق تربيتها بماء المزن الجنانيّ قبل الأكل . وأمّا مأكولة الكافر التي يخلق منها المؤمن فإنّما يتحقّق تربيتها بذلك الماء قبل أكله لها غالباً ، ولذكر اللَّه عند زرعها أو غرسها مدخل في تلك التربية ، وكذلك لحلّ ثمنها وتقوّي زارعها أو غارسها ، إلى غير ذلك من الأسباب » . والمحقّق الشعراني بيّن في هامش شرح المازندراني ، ج 8 ، ص 41 أنّ في عبارة الوافي تحقيقات شريفة تليق بأن يتعمّق فيها ، ثمّ قال كلاماً هو كالشرح لها وهو قوله : « والذي يستفاد من هذا الحديث وأمثاله أنّ الجنّة كما هي معاد وعلّة غائيّة لأعمال الصالحين ، كذلك لها مبدئيّة ودخل في علّيّتها الفاعليّة بنحو من الأنحاء ؛ إذ لماء هذا المزن تأثير في تربية الصالحين ، وهذا لا يوجب الجبر ، كما مرّ ، وبهذا يعرف معنى وجود الأرواح قبل الأجساد ؛ لأنّ الروح قد يطلق على النفوس المنطبعة الحادثة بعد حصول المزاج الخاصّ واستعداد البدن بأن تصير النطفة علقة والعلقة مضغة إلى أن تصير قابلة لأن ينشئها اللَّه خلقاً آخر ، فيحدث هذه النفس بعد حصول الاستعداد ولم تكن قبل ذلك ، ثمّ تتقلّب النفس في مراتبها حتّى إذا تجرّدت بالفعل وصارت عقلًا ، وهو العقل الحادث بعد النفس وبعد تركيب المزاج ، وليس هو بقيد الحدوث قبل البدن ، والموجود قبله هو علّته المفيضة ، ولمّا لم تكن العلّة شيئاً مبايناً في عرض المعلول نظير المعدّات ، كالأب بالنسبة إلى الابن ، بل هي أصل المعلول ومقوّمه والقائم عليه ، فإذا كانت العلّة موجودة ، كان المعلول موجوداً حقيقة وعرفاً . ألا ترى أنّه يسمّى صاحب ملكة العلم القادر على تفصيل المسائل عالماً بها ؛ لاندارجها في الملكة ، ولقدرة العالم على استخراجها كلّما أراد ، كذلك المزن الذي يتقاطر منه الملكات على نفوس الصالحين وتربّيها ، يندرج فيه جميع تلك النفوس بتفاصيلها اندراجاً إجماليّاً ، وإنّما تفصّل منه بوجودها الدنيوي ليحصل لها بالفعل ما كان كامناً بالقوّة ، ولو كانت النفوس على كما لها منفصلة عن علّتها موجودة بالفعل لم يكن حاجة إلى إرسالها إلى الدنيا وإنّما الدنيا مزرعة الآخرة . وبالجملة كلّ ما في هذا العالم عكس من موجود مثالي أو عقليّ قبله ينطبع على الموادّ مطابقاً لمثاله أو ظلّه
الكافي ( دار الحديث ) — صفحة 39 | الشيخ الكليني