في أحد الأيّام وصل خبره إلى الخليفة بأنّ مسلمة يسرف كثيرا بتهيئة الطعام فأدّى هذا الخبر إلى عدم ارتياح الخليفة وصمّم على نصيحته وإرشاده ، فأمر الخليفة في أحد الأيّام بإعداد وجبة عشاء مخصصة لمسلمة وفي تلك الدعوة أمر الخليفة طباخ القصر بتهيئة أنواع مختلفة من الطعام ومنها حساء من العدس والبصل والزيتون ، أمره عندما يحين وقت الغداء أن يقدّم الحساء وبعد فترة يقدّم أنواع الأطعمة الأخرى .
لما حضر مسلمة بدأ الخليفة يسأل مسلمة عن أوضاع الروم والحرب في تلك المنطقة فأجابه وبعد ساعتين من وقت العشاء أمر الخليفة الطباخ بجلب العشاء أول الأطعمة المطلوبة الحساء ، وكان مسلمة جائعا فلم يستطع انتظار بقية الطعام فبدأ بأكل الحساء وشبع وعندما قدموا بقية الأطعمة المختلفة لم يستطع مسلمة الأكل بعد ذلك .
سأله عمر بن عبد العزيز : لماذا لا تأكل ؟
أجاب : لقد شبعت .
قال الخليفة : سبحان اللّه أنت شبعت من هذا الحساء الذي كلّفنا درهما واحدا ، ما لهذه المأكولات المختلفة فإنّك تصرف آلاف الدراهم ! خف اللّه ولا تسرف ! يجب أن تعطي هذه المبالغ إلى المحتاجين لمرضاة اللّه .
وقد كانت نصيحة عبد العزيز لمسلمة مؤثرة طول حياته .
إنّ تقديم النصح علنا والإشارة إلى الأخطاء أمام النّاس وتوبيخ الخاطىء على ما فعل وتخطئته على رؤوس الأشهاد وانتظار زلاته في حضور الآخرين إنّما هو في الحقيقة تحطيم لشخصيته ومثل هذا النصح فضلا عن كونه لا يأتي بأيّ أثر مفيد فإنّه يبعث على العداوة والبغضاء ، ويثير الرغبة في الانتقام وتكون له نتائج ضارّة « 1 » .
هامش
( 1 ) الأخلاق : ج 1 . ( لمحمد تقي فلسفي ) .