« اتّقوا الحكومة ، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين ، لنبي أو وصي نبي » « 1 » ، والتحاكم إلى غير محرّم حتّى على فرض قضائه بالحقّ ، فإنّ التحاكم إليه بنفسه محرّم ، وقد ورد في صحيحة أبي خديجة : « قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق عليهم السّلام :
إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه » « 2 » ، فإنّ ذيلها يدلّ على لزوم التحاكم إلى خصوص من نصبوه قاضيا .
وعلى هذا يكون التحاكم إلى من لا يحكم بالحقّ باعتبار أنّه تحاكم إلى الطاغوت ، وهو محرّم بمقتضى الآية الأولى ، وأمّا التحاكم إلى من لم ينصب للقضاء - على تقدير قضائه بالحقّ - فهو محرّم أيضا بمقتضى الروايات الشريفة بل يمكن استفادة تحريمه من الآية الكريمة الثانية لأنّ التصدّي للقضاء ممّن لم ينصب له مصداق للظلم ، والتحاكم إلى مثله نحو من الركون إلى الظالم فيكون منهيا عنه .
وتبقى قضية يجدر الالتفات إليها ، وهي أنّ التصدّي للقضاء ممّن ليس له أهليته إذا كان محرما فكيف أبقى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام شريحا في منصب القضاء أيّام خلافته ؟
والجواب : إنّ من المحتمل أن يكون شريح في تلك الفترة عادلا ، وعلى تقدير عدم عدالته فمن القريب أن يكون الوجه في ذلك قوّة المركزية التي كان يمتلكها شريح إلى حدّ لم يتمكن عليه السّلام من عزله . ولعلّه من باب الجمع بين الأمرين أمره بأن لا ينفّذ حكما إلّا بعد عرضه عليه فقد جاء في صحيحة هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : لمّا ولّى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفّذ القضاء حتّى يعرضه عليه » « 3 » .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 18 : 7 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 3 .
( 2 ) وسائل الشيعة 18 : 4 ، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 5 .
( 3 ) وسائل الشيعة 18 : 6 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 1 .