تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وكذلك لو نأخذ بعين الاعتبار المحمل الموسّع الذي نحمل عليه مفهوم " العقل الكامل " ومفهوم " العلم النافع " ، فإننا لا نكاد نستبين كيف السبيل إلى تحصيلهما ؛ فلا ينحصر العقل الكامل بحسبنا في القدرة على تمييز الأفعال وتمييز ما جاء من أحكام الشرع المتعلقة بها كما ينحصر فيهما مصطلح " العقل التكليفي " ، بل يشمل أيضا ما يمكن أن نسميه ب " العقل التشريفي " ، وهو الذي يختص بالنظر في الآيات الكونية ، طلبا للاعتبار بها ؛ وأيضا لا يقتصر العلم النافع بحسبنا على العلم المتعلق ببحث الأدلة التفصيلية للأحكام الشرعية كما يقتصر عليه مصطلح " العلم الشرعي " ، بل يشمل أيضا " العلم الوضعي " الذي يختص ببحث الظواهر على مقتضى القوانين الطبيعية . يبدو من العسير أن نتصور تحصيل مطلوبنا العقلي والعلمي ما لم نطمح إلى أبعد من القيام بعمليات جزئية ومحدودة لا تنال كثيرا من النمط المعرفي الذي تولت السنون والقرون تثبيته فينا ، كعمليات التصحيح - تنقيحا وتخريجا - التي أشرنا إليها والتي تجعلنا نجزئ هذا النمط المعرفي لننتقي ما نعتقد صلاحه ونسقط ما نعتقد فساده ، أو نجزئ الذات العارفة ، فنتخير منها النظر العقلي المجرد من دون بقية الأفعال الأخرى التي تشترك معه في إنشاء المعرفة ؛ والحق أنه لا ينفع في بلوغ غرضنا هذا إلا الدخول في تجربة حية تنال كلية الإنسان وتبلغ من القوة والرسوخ درجة تفوق قوة ورسوخ النمط المعرفي الموروث ، بحيث تجبّ ما قبلها جبا ؛ ولا تجربة بهذا الوصف الشمولي والجذري ممكنة ما لم تتعلق بذات الإنسان نفسها ، وليس بفعل من أفعاله أو صفة من صفاته فحسب ، لأن الذات هي التي تصدر عنها الأفعال صدور الآثار وتظهر منها الصفات ظهور التجليات ؛ ولا خلاف في أنه ليس كمثل التجربة الخلقية الدينية نفوذا في الذات تجربة ، فما بالك إن لم يقتصر على الدخول في رتبها الدنيا ، بل وقع الارتقاء إلى رتبها العليا كرتبة التأييد التي تجعل المتخلّق لا يستفيد من الدين مقاصده فقط ، بل يستفيد أيضا وسائله في البلوغ إليها ! وإذا صح أن أرسخ التجارب أصلا وأشملها أثرا - بحيث تقوى على جبّ ما قبلها - هي التجربة الخلقية المؤيّدة ، صح معه أيضا أنها أقدر من غيرها على أن تفتح لنا باب تحصيل مطلوبنا في الجمع بين العقل والغيب والجمع بين العلم والأخلاق ؛ إذ تجعلنا نهتدي إلى مناهج عقلية تستمد كمالها من نور الفطرة الإنسانية ، أي أنها تزودنا بأسباب العقل الكامل الموصّلة إلى الجمع بين العقل