شرعي وعند المعتزلة عقلي « 1 » .
فمن ذلك يتضح أن النزعة العقلية للمعتزلة - والتي عرفوا بها - إنما كانت بصدد الأحكام الخلقية التي بها يتعلق المدح أو الذم والثواب أو العقاب ، وعندها جعلوا الشرع تابعا للعقل ، من حيث إن الوحي لا يثبت للأفعال قيمتها وإنما يخبر عنها فحسب ولكن العقل هو الذي يستدل به على حسن الأفعال وقبحها ، فلا مراء أن المعتزلة ردوا الأحكام الخلقية إلى أصول عقلية ومن ثم فقد وجب أن يلحقوا بالعقليين بين فلاسفة الأخلاق .
ولا يستدل العقل على حسن الأفعال أو قبحها لمجرد العلم وإنما إذا نظر الإنسان فعلم حسن الحسن وقبح القبيح وعرف أنه مستحق الذم والعقاب على المعاصي ويستحق المدح والثواب على الطاعات كان ذلك أقرب إلى اختيار الطاعة واجتناب المعصية « 2 » .
فاللّه الذي أكمل عقل المكلفين من أجل النظر الذي يهدف بدوره إلى العلم والمعارف ، قد يسر لهم سبيل العمل بالقدرة والاستطاعة وتهيئة الآلة من أجل أن يمكنهم مما أمرهم به من فضائل وطاعات ويبصرهم بما نهاهم عنه من رذائل ومعاص ، فالعقل هو الذي يرشد الإنسان في حياته العملية وبه يكون استحقاق الثواب أو العقاب ، ذلك أن لو فعل الإنسان الحسن دون علم - كالماشي يقتل عقربا عن غير قصد - لما استحق بذلك الجزاء - وإن استحق المدح « 3 » ، وإذ لزم العمل - والمسؤولية فيه - عن العلم ولزم العمل عن النظر وصدر النظر عن العقل فقد أصبح العقل مقوّم الحياة الخلقية كلها .
وقد ذهب المعتزلة إلى وجوب النظر على الإنسان بمجرد اكتمال العقل عند البلوغ ، ليس لنيل أسباب الدنيا فحسب فذلك في الدين والأخلاق
هامش
( 1 ) الإيجي المواقف ص 324
( 2 ) القاضي عبد الجبار : المغنى في أبواب التوحيد والعمل ج 12 ص 489
( 3 ) على خلاف بين المعتزلة - انظر المغنى ج 6 التعديل والتجوير ص 18 وج 12 النظر والمعارف ص 447 .