فقد وجب عليه تحصيل معرفة الباري بالنظر والاستدلال قبل ورود السمع « 1 » .
وليس هناك من يمارى في أن المعتزلة هم أهل النظر العقلي في الإسلام ، ولكن إلى أي حد يمكن أن يعدوا كذلك بصدد الأخلاق عامة ؟ وإلى أي مدى شاركوا أصحاب المذهب العقلي في الفلسفات الأخلاقية الأخرى الرأي والاتجاه ؟ إن النزعة العقلية في الفلسفة الأخلاقية إنما تقوم في رد القوانين والأحكام الخلقية إلى أسس عقلية ، فهل كان المعتزلة كذلك ؟ ذلك ما ستفصح عنه الفصول القادمة من البحث على أنه يمكن أن نشير إلى بعض الملامح العامة في فلسفتهم التي تثبت اتجاههم العقلي في مجال الأخلاق .
لم يختلف المعتزلة عن الأشاعرة في مصدر المعرفة ، فالمعارف لدى الفريقين إنما تدرك بالعقل ، ولكن الاختلاف في جهة وجوب الأحكام : بالشرع أم بالعقل ، فهي عند المعتزلة إنما تجب بالعقل فلم تكن نزعة المعتزلة العقلية بصدد نظرية المعرفة - أو البحث النظري في مصدر العلم - وإنما كان جل همهم في تمسكهم بالعقل - منصبّا على قيمة العقل الخلقية « 2 » .
ويلقى صاحب المواقف ضوءا على موقف المعتزلة العقلي بصدد العمل حين يعرض لتحليل الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة بصدد الحسن والقبيح إذ يقول : الحسن والقبيح يقال لمعان ثلاثة :
الأول : صفة الكمال والنقص يقال : العلم حسن والجهل قبيح ولا نزاع أن مدركه العقل .
الثاني : ملاءمة الفرض ومنافرته ، وقد يعبر عنهما بالمصلحة والمفسدة وذلك أيضا عقلي .
الثالث : تعلق المدح والثواب أو الذم والعقاب وهذا هو محل النزاع فهو عندنا
هامش
( 1 ) الشهرستاني : الملل والنحل ج 1 ص 56 .
( 2 ) البير نصر نادر : فلسفة المعتزلة ج 2 ص 53 .