وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
« 1 » .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يصيب منهما جميعا ، فإن الدنيا بلاغ للآخرة » « 2 » .
على هذا فإنّ التربية الإسلامية ليست مادية بحتة ، ولا روحانية خالصة ، تخالف الطبع وتقطع عن العمل .
فهي تهذّب الفرد تهذيبا ذاتيا ، كما تهذّبه تهذيبا اجتماعيا تجعله يشعر بانتمائه إلى المجتمع الذي يعيش فيه ، وبقيمة أخيه المسلم ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره » « 3 » .
كما قال : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » « 4 » .
* وسطية :
التربية الإسلامية تربية وسطية تنظر إلى الأمور نظرة وسطية ، وتحافظ على مبدأ الاعتدال في الشخصية الإسلامية ، حتى في الأمر الواحد ؛ فعلى سبيل المثال : قال سبحانه :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
« 5 »
وقال عزّ وجلّ :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
« 6 » .
هذه هي أبرز سمات التربية الإسلامية المتوازنة التي تضع لكل شيء حده ، وتحسب لكل أمر قدره حتى لا تختل الموازين وتضطرب أمور الحياة .
فإن خاصية « الاعتدال » تجعل المجتمع الإسلامي مجتمعا إنسانيّا « وسطا » ، لا يسرف في أموره ، ولا يفرط فيها ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
« 7 » .
ولا جرم أن مبدأ الوسطية هو الذي جعل الأمة الإسلامية تمتاز عن غيرها من الأمم ، وما أصابها من تردّ ونكوص على الأعقاب إنما أصابها بسبب اتباع أبنائها سبيل الإفراط والتفريط ، فضلا عن بعض العوامل الأخرى التي ليس ههنا محل لمناقشتها .
هامش
( 1 ) سورة القصص ، جزء من الآية 77 .
( 2 ) المتقي الهندي ، كنز العمال ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1990 ، ج 1 ، ص 24 .
( 3 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب المظالم ، ح 3 .
( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه ، باب خصال الإيمان ، ص 38 .
( 5 ) سورة الفرقان ، الآية 67 .
( 6 ) سورة الإسراء ، الآية 29 .
( 7 ) سورة البقرة ، جزء من الآية 143 .