وتستمر التربية بحسب الأحكام الشرعية المتعلقة بالرضيع والصبي واليافع الشاب ، والراشد والرجل والكهل والعجوز بحيث لا تنتهي إجراءات التربية الإسلامية وأحكامها الشرعية إلا عندما يصير الإنسان إلى اللحد .
فالفرائض والعبادات إن هي في حقيقتها إلا تربية مستمرة متصلة بالإنسان ، طيلة حياته ، تزكي روحه ، وترقي نفسه ، وتقوّم خلقه ، وتهذب سلوكه ، على مدار الأيام والأسابيع والأشهر والأعوام ، بلا انقطاع ؛ وذلك لأن الإنسان يمر بتربية يومية بالصلوات الخمس ، وتربية أسبوعية بصلاة الجمعة ، وتربية شهرية بصوم النوافل ، وتربية سنوية بصوم شهر مضان ، وصلاة العيدين .
ولكن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن الذي يتولى مراقبة السلوك وتقويمه بعد البلوغ عند الفرد إنما هو الفرد نفسه ، قال سبحانه وتعالى :
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
« 1 » ، وقال سبحانه وتعالى :
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
« 2 » ، والنفس اللوامة نفس حميدة تلوم صاحبها على فعل الذميم من السلوك ، وهذا مفهوم المراقبة وتقويم الذات ، وهو من أبرز عناصر التربية المستدامة في التربية الإسلامية ، ومن هنا تتراءى أهمية التقوى في حياة الفرد المسلم ، حيث يظل على أساس هذا المعيار في مراقبة مستمرة لسلوكه وحركاته وسكناته ، حتى إذا ما شعر بأنه قد انحرف عاد إلى الجادّة من جديد .
* سهلة ومرنة :
مما لا شك فيه أنّ خاصية « التيسير » من أهم خصائص التربية الإسلامية المتمشية مع الفطرة البشرية والقدرة الإنسانية ، بحيث لا يكلف الإنسان إلا بما يدخل في نطاق استطاعته وقدرته واحتماله : من تكاليف دينية أو واجبات دنيوية ، على حدّ سواء .
وبهذه الخاصية الإيجابية تجنّب التربية الإسلامية الإنسان المشقة والعنت ، والضيق والحرج ، ولا تحمله من الأمور إلا بما يكون في وسعه ، واستطاعته . وقال تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
« 3 » .
وعن أنس بن مالك ، قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا » « 4 » .
وعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : « ما خيّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أمرين قط ، إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه » « 5 » .
هامش
( 1 ) سورة القيامة ، الآية 14 .
( 2 ) سورة القيامة ، الآية 2 .
( 3 ) سورة البقرة ، جزء من الآية 185 .
( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه ، ح 1734 .
( 5 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، ح 5775 .