المبحث الثاني البناء الاجتماعي
[ الإنسان مدني بالطبع ]
الإنسان كائن اجتماعي استخلفه اللّه تعالى في الأرض ، وكان من سنة اللّه في خلقه أن جعل الإنسان محدود القدرة والإمكانات بحيث لا تستقيم حياته إلا إذا عاش مع الجماعة ، فهو في حاجة دائمة إلى الأقران والرفاق والأسرة والمجتمع ، وعلى هذا فإن الاجتماع الإنساني ضروري ، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم : « الإنسان مدني بالطبع أي لا بدّ له من الاجتماع » « 1 » .
فاختلاف قدرات الناس ومواهبهم وذكائهم وخبراتهم وسائر إمكاناتهم النفسية والجسدية من ناحية ، ثم تنوع الحاجات الضرورية الملبية لرغبات البشر المختلفة من ناحية أخرى هو الذي أدى إلى ضرورة استعانة أفراد المجتمع بعضهم ببعض ومعنى قوله تعالى :
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
« 2 » . أي التعاون وتبادل الخدمات والأعمال والمنافع ، فالكل مسخر لخدمة الكل « 3 » . وقد قال الإمام الصادق : « إنه لا بد لكم من الناس ، إن أحدا لا يستغني عن الناس في حياته ، والناس لا بدّ لبعضهم من بعض » « 4 » .
وبناء على ذلك ، فالحياة الاجتماعية هدفها تلبية المتطلبات المادية والمعنوية لأفراد المجتمع . ولأن الإسلام دين اجتماعي و « التربية هي في أصلها مهمّة اجتماعية » « 5 » ، فإن التربية الاجتماعية في الإسلام تسعى إلى إنشاء المجتمع الصالح « ولا تتوقف عند إعداد الأفراد المؤمنين ، وإنما تتخذ من هذا الإعداد وسيلة لهدف آخر هو إخراج أمة المؤمنين التي يتلاحم أفرادها عبر شبكة من الروابط الاجتماعية » « 6 » .
وهذه التربية ترمي إلى وضع نظام تربوي اجتماعي قادر على أن يخلص المجتمع من
هامش
( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة ، مؤسسة الكتب الثقافية ، بيروت ، 1414 ، ج 1 ، ص 45 .
( 2 ) سورة الزخرف ، جزء من الآية 32 .
( 3 ) فاروق أحمد الدسوقي ، مقومات المجتمع المسلم ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، 1986 ، ص 161 .
( 4 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب ما يجب من المعاشرة ، ج 1 .
( 5 ) جون ديوي ، المبادئ الأخلاقية في التربية ، الدار المصرية للتأليف ، القاهرة ، 1966 ، ص 28 .
( 6 ) ماجد عرسان الكيلاني ، الأمة المسلمة ، دار الاستقامة ، مكة المكرمة ، 1995 ، ص 29 .