والمألوف لإيجابية الأعمال وفضائلها ، بالإشارة إلى منزلة هذه الأعمال الحسنة في نفسه وأهميتها لديه وحبّه الغامر لها ولفاعلها . وهكذا ، فإن تلاميذه فضلا عن تفطنهم إلى حسن ذلك الفعل ، يتفاعل في نفوسهم الشوق إلى ممارسته نظرا لحبهم الحقيقي لأستاذهم . ومثال ذلك قوله رضي اللّه عنه :
« لئن آخذ خمسة دراهم وأدخل إلى سوقكم هذه ، فأبتاع بها الطعام وأجمع نفرا من المسلمين أحبّ إليّ من أن أعتق نسمة » « 1 » .
كما يقرّب لتلاميذه ومريديه حسن الصنيع والإفضال ليحملهم على هذا العمل الجميل فيقول ما نصّه - :
« لأن أطعم مؤمنا محتاجا أحبّ إليّ من أن أزوره ، ولأن أزوره أحبّ إليّ من أن أعتق عشر رقاب » « 2 » .
وفي المقابل ، كان الإمام يستعيض أحيانا عن الإشارة المباشرة لقبح الفعل ، بقبحه في نفسه واشمئزازه منه فيعرب عن بغضه لذلك الفعل السيئ ، بل قد يعتبر قيام تلاميذه بذلك العمل القبيح ظلما له هو ، واستخفافا به أو باعث إزعاج له ، فيثير بذلك انتباههم لسلبية الفعل ، ويشعرهم بوجود صلة بين عملهم واستياء أستاذهم ومربيهم ، عسى أن ينتقل هذا الانزعاج من الفعل المشين إليهم ولا يعاودوا اقترافه .
ومما روي في هذا الصدد ، أن جماعة من أصحابه كانوا عنده ، فقال : « ما لكم تستخفون بنا ؟ فقام إليه رجل من أهل خراسان فقال : معاذ اللّه أن نستخف بكم أو بشيء من أمركم ؟ فقال الإمام : إنك أحد من استخف بي فقال : معاذ اللّه أن أستخف بك ؟ فقال الإمام : ويحك ألم تسمع فلانا ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك : احملني قدر ميل فقد واللّه أعييت . فو اللّه ما رفعت له رأسا ، لقد استخففت به ، ومن استخف بمؤمن فينا استخف ، وضيع حرمة اللّه عزّ وجلّ » « 3 » .
يشدد الإمام هنا على أمر يثير بكل تأكيد حفيظة طلابه ، وهو الاستخفاف بأستاذهم ومربيهم ، ليشير لهم بذلك إلى قبح فعالهم ويدعوهم إلى العزوف عنها .
ج - أسلوب التعريض أو التلميح :
من أساليب التربية الأخلاقية ، التعبير غير المباشر والإشارة غير الصريحة ، إلى حسن الأعمال أو قبحها ، والتي تترك في أحيان كثيرة تأثيرا طويل الأمد في نفس
هامش
( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب إطعام المؤمن ، ح 15 .
( 2 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 303 ، ح 30611 .
( 3 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 8 ، ص 103 ، ح 73 .