أضف إلى ذلك أن ردود الفعل السلوكية تعد ضربا من التذكير غير المباشر لا يشتمل على الأضرار والأعراض السلبية للتوجيهات اللفظية المباشرة . طبعا ، يمكن أن تكون ردود الأفعال السلوكية مؤثرة حينما يكون المتلقي على معرفة بالنمط السلوكي للمربي ومدلولاته ، فيشعر بأقل تغيير يطرأ على سلوكه ويحاول أن يكتشف أسبابه ، من هنا يمكننا القول أن الإمام كان يستخدم هذا الأسلوب أكثر ما يستخدمه في تربية تلاميذه وخواصه كما قال إسحاق بن عمار « 1 » : دخلت علي أبي عبد اللّه الصادق . فنظر إليّ بوجه قاطب ، فقلت : ما الذي غيّرك عليّ ؟ : قال : « الذي غيّرك لإخوانك ، بلغني يا إسحاق أنك أقعدت ببابك بوّابا يردّ عنك الفقراء . فقلت : جعلت فداك إني خفت الشهرة . فقال : « ألا خفت البلية » « 2 » .
كان بوسع الإمام أن يذكر إسحاقا بأخطائه منذ البداية وبصراحة ، ويمنعه عن هذا الفعل الذي أتاه ، بيد أنه لم يتصرف بهذه الطريقة ، إنما أراد أن يدفع به إلى التفكير في فعلته عبر التحوّل الذي يلاحظه في سلوك الإمام معه ولو من خلال نظرة غاضبة ، فيسأل عن سبب هذا التحوّل ويكون بذلك مستعدّا لسماع كلام الإمام .
بالإضافة إلى ذلك يذكر الإمام أن تغيّر سلوكه مع تلميذه إسحاق هو حصيلة تغيّر سلوك إسحاق مع إخوانه في الدين ، ليشير بذلك إلى قبح هذا الفعل ويؤكد - في الوقت نفسه - على أهمية وخطر هذه المسألة بالنسبة إليه .
ه - انتهاز الفرص والظروف المناسبة :
لا ريب أن المربي الناجح يتحرّى دوما الفرص المناسبة والمؤثرة لعرض الشذرات التربوية والأخلاقية اللازمة . فالتذكير الأخلاقي يؤثر في المتلقي بأفضل صورة ممكنة حينما يقترن بالمصاديق والمناسبات الخاصة ويرتبط بشؤون الحياة الفردية .
وكان الإمام الصادق يولي أهمية بالغة لهذا الجانب ، ويستثمر كل فرصة مناسبة لمعالجة المشكلات الأخلاقية في المجتمع الإسلامي آنذاك . وحيث إنه كان يعتقد أن أي سلوك أو قول له جذوره في تفكير الفاعل ورواه العامة ، فقد حاول إصلاح أفكار تلاميذه ورؤاهم وملاءمتها مع أسس التفكير القرآني وصولا إلى إصلاح سلوكهم وأقوالهم .
وفي هذا السياق رويت عنه أحداث عديدة تتعلق بصدور بعض الأقوال والتصرفات المجافية للأدب الإسلامي عن بعض الناس في حضوره ، وكيف كان رضي
هامش
( 1 ) إسحاق بن عمار الساباطي من أصحاب الإمام الصادق ، روى عن الباقر والصادق وموسى بن جعفر ( الخوئي ، معجم الرجال 3 / 53 ) .
( 2 ) أسد حيدر ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 285 .