فلم يغفل الإمام الصادق عن مراعاة الفروق الفردية في التربية العملية عند المتعلمين إذ أمر بعض تلامذته بالمناظرة ، ونهى بعضهم عنها ، فقد رأى أحد تلامذته صاحب الطاق وهو يناظر المخالفين في المدينة فنبّهه على أن الإمام ينهى تلاميذه عن الكلام فالتفت صاحب الطاق إليه وقال :
أو أمرك أن تقول لي ؟
قال : لا ، ولكنه أمرني ألّا أكلم أحدا .
قال : اذهب فأطعه فيما أمرك .
وسمع الصادق بالواقعة من التلميذ فتبسّم ، وقال له : « إن صاحب الطاق يكلم الناس فيطير ، أما أنت إن قصوك لن تطير » « 1 » .
وعاش الصادق يمنع كلّا من تلاميذه عن الخوض في علم ما إذا شعر أنّه لا يفلح فيه ، ويسمح به للمقتدر عليه انطلاقا من معرفته ما يمتاز به بعض الناس من بعض في هذا المضمار أو ذاك .
ومما يؤكد هذا المنهج ما رواه أبو زهره أنّ الإمام كان يخلو بجابر « أنّه كان يدارسه ، ويختصه بالانفراد به في الدراسة مما يدلّ على أنّ ما كانا يتدارسانه لا يطيقه كل الناس لدقة حقائقه وعمق ما يحتاج إليه من تفكير » « 2 » .
ب - شخصية المتعلم في فكر الصادق :
حدّد الإمام الصادق خصائص أو سمات المتعلّم فيما يخص من الناحية الشخصية والسلوكية التي تجسّد من العلاقة المثالية بين العالم والمتعلم ، وتعاليمه كان على رأسها التوجيه المعنوي الذي يعتبر اليوم أساسا أوليّا لكل روح علمية خالصة ، فهو لا ينسى أن ينبّه على موضوع بالغ الأهمية وهو تزكية النفس قبل التعلم ، لأنّ العلم نور لا يقذفه اللّه تعالى في القلب المنجس بالكدورات النفسية والأخلاق الذميمة ، فيقول الصادق :
« ليس العلم بكثرة التعلم ، وإنّما هو نور يقذفه اللّه تعالى في قلب من يريد اللّه أن يهديه » « 3 » .
والمقصود بالعلم في كلام الإمام هو المعرفة ، والعلم غير المعرفة . العلم طائفة من المعلومات تشغل الذاكرة وليس لها علاقة بالسلوك أما المعرفة فلها علاقة مباشرة بسلوك الإنسان وأخلاقه . وفي الآية الكريمة :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 4 »
هامش
( 1 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 308 .
( 2 ) محمد أبو زهرة ، الإمام الصادق ، مرجع سابق ، ص 80 .
( 3 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 225 .
( 4 ) سورة فاطر ، جزء من الآية 28 .