نصيبه من الدنيا ، وأخذ يسبق إلى مسائل العلم المادي لأنه رآها معينة على علوم الدين ولا غنى للدنيا عنها ، وكثير من مسائل العلم يشترك فيه الدين والدنيا فلا ينفصلان ، وقد صار له في كل ناحية منها خبرة تدل على أنه قد غاص إلى قرارها أو كاد » « 1 » .
وعلى هذا تناولت محاضرات الصادق ودروسه جميع الفنون العلمية التي لها الأثر التام في التقدم الاجتماعي ، حتى قال بعض علماء الغرب : « يصح لنا القول بأن الصادق إن لم يكن هو الرائد المجدّد في جميع العلوم ، فهو دون أدنى شك في طليعة أولئك المجددين » « 2 » .
والعلوم التي تناولتها مدرسة الإمام بالبحث والتدريس هي علوم الفلك ، والطب ، والحيوان ، والنبات ، والكيمياء ، والفيزياء ، فضلا عن العقيدة والفقه والأصول وعلوم القرآن وتفسيره وعلم الحديث .
ولم يقتصر الإمام في أبحاثه على الناحية العلمية ، بل توسّع في محاضراته ، فشملت أصول الآداب والقيم الاجتماعية ، من مكارم الأخلاق ، والإصلاح الشامل في جميع المجالات .
وهذا التعدد في العلوم يدلل على مدى عظمة مدرسة الإمام واتساع نطاقها العلمي ، حتى شملت هذه العلوم .
* مراعاة التخصص في العلوم :
اعتنى الإمام بالتخصص العلمي في مدرسته ؛ لأن للاختصاص دورا كبيرا في إنماء الفكر الإسلامي وتطويره يمكنّه من استيعاب الطاقات الكثيرة الوافدة على مدرسة الإمام من سائر أنحاء العالم الإسلامي ، وبالتخصص تتنوع العطاءات ، ويكون الإبداع وعمق الإنتاج ، ولذا وجّه الإمام أنظار تلاميذه إلى التخصص العلمي ، وتصدّى للإشراف على كل تلك التخصصات .
فحاول إعطاء كل مجموعة من تلامذته علما معيّنا يختص به ولأن الإمام الصادق علم استعداد كل منهم ، ورعى مواهبهم ، فوجهها إلى ما يجلو فيها القدرة ويصقل الإمكانية ، ونتج من ذلك مجموعة كبار العلماء .
فكلف أبان بن تغلب « 3 » بالفقه ، وأمره أن يجلس في المسجد ، فيفتي الناس ، وكان فقيها يزدحم الناس على أخذ الفقه عنه .
هامش
( 1 ) عبد العزيز سيد الأهل ، جعفر بن محمد ، مرجع سابق ، ص 45 .
( 2 ) مجموعة من الباحثين ، الإمام الصادق في نظر علماء الغرب ، مرجع سابق ، ص 157 .
( 3 ) انظر إلى ترجمته في ص 81 .