وقد فتح الإمام الصادق أبواب مدرسته على مصراعيها أمام الجميع ولم يقتصر دوره العلمي على تلامذته من أتباع مذهبه ، وإنما كان همّه إيصال الفكر الرسالي إلى الأمة جمعاء . ولذلك كانت مدرسته تستوعب مختلف الاتجاهات .
فعند ما نقرأ أسماء الرواة الذين رووا عنه أو الذين تعلموا عنده نجدهم لا ينطلقون من لون واحد ، بل كانوا يتحرّكون في ألوان متعددة ، تلتقي عند الإنسان الذي يستطيع أن يجمع الألوان عند لون الحقيقة الذي يستطيع أن ينفتح على الجميع .
* أنواع علومها :
وقد حضّ الإسلام على الخوض والاختصاص بجميع أنواع العلوم والمعارف خصوصا التي تتطور بها الحياة الفكرية والاجتماعية . و « الدين الإسلامي لا يخص دعوته لتعلم العلوم الدينية فحسب ، وإنما يخص فرض العين بها ، ويرغب في تعلم كل علم فيه إسعاد الحياة ، ولا تفترق علوم الدين عن غيرها مما يحتاج إليه النوع من إسعاد الحياة ويضطر إليه ، إلا في رجحان العلوم الدينية على غيرها ، وعينية الوجوب فيها على كل أحد وكفائيته في غيرها » « 1 » .
فإنّ العلم الذي حث الإسلام على طلبه لا يتقيد بنوع خاص ، وإنما يشمل جميع أنواع العلوم والفنون ، هذا لأنّ « غرض التربية عند المسلمين يتمثل في إعداد المرء للحياة الدنيا والآخرة » « 2 » ومن ثم يرى الإمام الصادق بأن لا شيء بعد التفقه في الدين وتطبيق أحكامه أفضل من معرفة العلوم والآداب الطبيعية وقوانينها ، لذلك كان من الطبيعي أن يؤكد وحدة الدين والعلم . فقال : « لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفرغ إليهم في أمور دنياهم وآخرتهم ، فإن عدموا ذلك كانوا همجا : فقيه عالم ورع ، وأمير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة » « 3 » .
واللافت للنظر حقا هو صيغة التكامل والشمول التي تميز بها الصادق في تناول العلوم الدينية والعلوم الدنيوية ، وعدم الفصل بينهما ، حتى إنه يجعل الأمير والفقيه والطبيب على سواء ، ويستخدم نتائج العلوم الطبيعية للاستدلال على عظمة الإله وقدرته ، وفي التدليل على صدق التبليغ عنه .
ومن ثم أطلّت « عين جعفر على حقائق العلم فرآها في علوم الدنيا وعلوم الدين ، فلم يدع واحدا منهما ليلقي نفسه على الآخر ، وإنما قدم ما حقه التقديم ، ولم ينس
هامش
( 1 ) أمير محمد القزويني ، الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية ، مرجع سابق ص 200 .
( 2 ) عبد الرحمن عثمان الحجازي ، المذهب التربوي عند ابن سحنون ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1986 ، ص 55 .
( 3 ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 32 .