الزندقة « 1 » ، حيث ظهرت طوائف من المغرقين بالكفر والإلحاد قاموا بإثارة الشبهات لإفساد المسلمين وتضليلهم فأخذوا يهاجمون العقيدة والأخلاق مهاجمة صريحة ، ويقعدون للمسلمين كلّ مرصد ، ويجدّون لهدم تعاليم الدين الحنيف بكلّ الوسائل المتاحة .
وإزاء الحملات المسعورة التي كان يشنها هؤلاء الزنادقة على الإسلام والمسلمين ، فإن الإمام الصادق لم يكن ليقف مكتوف الأيدي ، فدخل في تلك المعارك الفكرية وجاء بخطّة متينة للكشف عن زيف مناقشاتهم . ولقد ناظر رؤساءهم بمناظرات عديدة في مجال العقيدة بأسلوب هادئ ، رصين ، مدعوم بالحجج والبراهين التي لم تدع لهم مخرجا ، وسجّلت بعض مصادر الحديث والتاريخ نماذج من تلك المناظرات التي تبيّن للناس ما ينير طريقهم ويزيل الشك عنهم .
وها نحن نعرض أمثلة منها فنروي ما حصل حين حضر عبد الكريم بن أبي العوجاء مجلس الإمام الصادق فابتدأه الإمام بالقول : « أمصنوع أنت أو غير مصنوع ؟
فقال ابن أبي العوجاء : بل أنا غير مصنوع .
فقال الإمام : فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون ؟
فبقي عبد الكريم مليّا لا يحير جوابا ، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول :
طويل ، عريض ، عميق ، قصير ، متحرك ، ساكن ، كل ذلك صفة خلقه .
فقال له الإمام : فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها ، فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الأمور » « 2 » .
كان ابن أبي العوجاء واقفا على أنّ الاعتراف بالمصنوعية يلزمه الإذعان بوجود الصانع تعالى فأنكر كونه مصنوعا ، ولكنّ الإمام ألزمه بالاعتراف بذلك بما سأله عنه ، وهو أنه لو كان مصنوعا ، فما هي صفاته ؟
فتوقف عن الجواب ، إذ رأى أن له جميع آثار المصنوعية .
ولعل في الرواية التالية التي سنسوقها أبلغ دليل على مدى حجة الإمام الصادق في إفحام الدهريين والرد عليهم لإبعاد الناس عن شبهاتهم فقد بلغه أنّ الجعد بن درهم « 3 » جعل في قارورة ترابا وماء ، فاستحال دودا وهواما ، فقال : أنا خلقت هذا ؛ لأنني سبب تكوينه .
هامش
( 1 ) شرحنا حول هذه الطائفة في الفصل السابق .
( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، باب التوحيد ، ح 2 .
( 3 ) الجعد بن درهم . . . نحو 118 ، من الموالي ، مبتدع سكن الجزيرة الفراتية وأخذ عنه مروان بن محمد لما ولي الجزيرة ، قيل : كان زنديقا شهد عليه ميمون بن مهران ، فطلبه هشام بن عبد -