بالقدر « هو النظام المحكم الذي وضعه اللّه لهذا الوجود والقوانين العامة ، والسنن التي ربط اللّه بها الأسباب بمسبباتها » « 1 » .
فلا يكون شيء في الكون كلّه إلا ما قدر اللّه . « ولا يخرج عن ذلك شيء لا أفعال الإنسان ولا غيرها ، كما لا يخرج عن ذلك ما يصيب الإنسان وما يقع في الكون من الأحداث وبهذا كله يتحقق الإيمان المطلوب بالقضاء والقدر الذي أمر به القرآن وجاءت به السّنّة النبوية المطهرة » « 2 » .
وقد وصف اللّه تعالى المؤمنين بهذا الوعي والإيمان بقوله :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
« 3 » .
فالإمام الصادق في تربيته العقدية اهتم بهذه الركيزة الإيمانية ، فهو يسعى في تعاليمه إلى إثبات هذه العقيدة في نفوس أبناء المجتمع ، وذلك بالتأكيد على شموليتها لكل الأحداث قائلا : « ما من قبض ولا بسط إلا وللّه فيه مشيئة وقضاء وابتلاء » « 4 » .
بهذا الكلام يوضح الإمام الحضور الدائم المتصل للّه في كل مساحة الكون ودائرة القضاء والقدر ، لا يغيب عنه شيء وله قيومة ورعاية دائمة ، وهو الحيّ القيوم .
وهذا الإيمان يجعل صاحبه في حياته بين مرتبتي الصبر على المكاره والشكر على المحامد ، إلا أن للإيمان بالقدر مراتب ، أدناها الإقرار بالقضاء الإلهي ، فهو شرط للإيمان ، ولكن « هناك درجة التسليم والرضى بقدر اللّه وهي مرتبة الإحسان التي يصل إليها الإنسان حين يتعمق إيمانه ويرسخ ، فيعرف أن لكلّ قدر حكمة وأن قدر اللّه كله خير للمؤمن المستقيم على الطريق » « 5 » .
فلفت الإمام أنظار تلاميذه إلى هذه المرتبة الشريفة بقوله : « الرضا بمكروه القضاء أعلى درجات اليقين » « 6 » .
فهو يرسم لهم طريق الوصول إليها من خلال التعرف على صفات اللّه العظيمة كعدله وحكمته ، فيقول : « إن اللّه تبارك وتعالى لا يفعل لعباده إلا الأصلح لهم ولا يظلم الناس شيئا » « 7 » وهكذا يكون المؤمن مستقر النفس وهو موقن تمام اليقين أنّ تدبير
هامش
( 1 ) سيد سابق ، العقائد الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 95 .
( 2 ) عبد الكريم زيدان ، الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في سلوك الإنسان ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1988 ، ص 13 .
( 3 ) سورة التوبة ، الآية 51 .
( 4 ) الصدوق ، التوحيد ، ص 254 .
( 5 ) محمد قطب ، ركائز الإيمان ، مرجع سابق ، ص 419 .
( 6 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 152 .
( 7 ) المصدر نفسه ، ج 65 ، ص 341 ، ح 12 .