فهم نسبوا بعض صفات اللّه إلى بعض البشر وبثوا الأحاديث الموضوعة وأسندوها إلى حملة العلم .
وكان للإمام دور فعال في التصدي لهم ودعم العقيدة الإسلامية وبما أنّ الناس متفاوتون في تأثرهم بالأفكار الفاسدة - حسب مستوياتهم - نرى أساليب مختلفة اتبعها الإمام لحماية الأمة من الانغماس في خبث عقائدهم ، ومن الانخداع بما يظهرونه من حسن النوايا وما يخفونه من مكر ودهاء ، لذا فقد كان الإمام تارة يعلن براءته منهم بكل وجوده فيقول :
« سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء برئ اللّه منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي ، واللّه لا يجمعني وإياهم يوما إلا وهو عليهم ساخط » « 1 » .
وعندما سمع أنّ أبناء هذه الطائفة يقدّسون الإمام نفسه ويضفون عليه صفات إلهية عارضهم بشدّة ولعنهم قائلا :
« لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، ولعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا » « 2 » .
وطورا يأمر بقطع أواصر العلاقة بينهم وبين أتباعه كي لا يكون مجال لترك أي أثر لأفكارهم الهدّامة في عقول المسلمين ونفوسهم ، فقال : « لا تقاعدوهم ، ولا تؤاكلوهم ، ولا تشاربوهم ، ولا تصافحوهم » « 3 » .
والغلوّ خطر يتدرّج بدخوله في العقيدة خطوة خطوة « فالتعظيم الزائد عن الحد آفة من آفات القلب البشري حين يتوجه بالحب إلى شخص معين ، أو شيء معين ، فينقلب التعظيم إلى تقديس ، وينقلب الحب إلى عبادة » « 4 » .
من ثم اهتم الإمام الصادق بالتربية الوقائية للشباب في هذا الصدد فنبّه الآباء إلى مسؤولياتهم الخطيرة ومهماتهم في تحصين الأجيال بأخذ الاحتياطات والتدابير اللازمة حتى لا يقعوا في فخّ هذه الأفكار الباطلة ، فقال :
« احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم ، الغلاة شر خلق اللّه يصغّرون عظمة اللّه ويدّعون الربوبية لعباده » « 5 » .
وهذا كلّه نموذج من خطاب عقديّ ، إصلاحي ، يتوخّى الإمام به صيانة المسلمين من الإفراط في تعظيم وتقديس الصالحين .
هامش
( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، باب كراهية القول في الأئمة بالنبوة ، ح 6 .
( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ج 25 ، ص 297 .
( 3 ) حسين الشاكري ، نشوء المذاهب والفرق ، ص 144 .
( 4 ) محمد قطب ، لا إله إلا اللّه عقيدة وشريعة ومنهاج حياة ، دار الشروق ، القاهرة ، 1995 ، ص 56 .
( 5 ) الطوسي ، الأمالي ، ص 650 .