جمع بين رأيين
ممّا تقدّم يتّضح أنّه يمكن أن يجمع بين كلام الحكيمين أرسطو وأفلاطون بأن يحمل كلام أرسطو ، حيث قال في كتاب « نيقوماخيا » :
« إنّ الأخلاق كلّها عادات تتغيّر ، وإنّه ليس شيء منها بالطبع ، وإنّ الإنسان يمكنه أن ينتقل من كلّ واحد منها إلى غيره بالاعتياد والدربة » « 1 » على المقام الأوّل من البحث ، وهو أصل قابلية الأخلاق الإنسانية للتغيير ، بغضّ النظر عن كونه سهلا أو صعبا . ويحمل كلام أفلاطون القائل في كتاب « السياسة » وفي كتاب « بوليطيا » خاصّة « بأنّ الطبع يغلب العادة ، وأنّ الكهول حيثما طبعوا على خلق ما ، يعسر زوالهم عنه ، وأنّهم متى قصدوا زوال ذلك الخلق عنهم ، ازدادوا فيه تماديا » « 1 » على المقام الثاني من البحث .
هذا ما ذكره الفارابي في الجمع بين الكلامين حيث قال : « وليس يشكّ أحد ممّن يسمع هاتين المقالتين أنّ بين الحكيمين في أمر الأخلاق خلافا ، وليس الأمر في الحقيقة كما ظنّوا ، لأنّ أرسطو يرى أنّ كلّ خلق إذا نظر إليه مطلقا ( أي في نفسه ) علم أنّه ينتقل ويتغيّر ولو بعسر ، وليس شيء من الأخلاق ممتنعا عن التغيّر والتنقّل ، فإنّ الطفل الذي نفسه تعدّ بالقوّة ، ليس فيه شيء من الأخلاق بالفعل ، ولا من الصفات النفسانية . وبالجملة فإنّ ما كان فيه بالقوّة ، ففيه تهيّؤ لقبول
هامش
( 1 ) كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين ، لأبي نصر الفارابي ، ص 95 ، قدّم له وعلّق عليه :
الدكتور البيرنصري نادر من أساتذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية .