الشيء وضدّه ، ومهما اكتسب أحد الضدّين ، يمكن زواله عن ذلك الضدّ المكتسب إلى ضدّه ، إلى أن تنقص البنية ويلحقه نوع من الفساد . . .
وأمّا أفلاطون ، فإنّه ينظر في أنواع السياسات ، وأيّها أنفع وأيّها أشدّ ضررا ، فينظر في أحوال قابلي السياسات وفاعليها ، وأيّها أسهل قبولا ، وأيّها أعسر ، ولعمري إنّ من نشأ على خلق من الأخلاق ، واتّفقت له تقويته ، يمكن بها من نفسه على خلق من الأخلاق ، فإنّ زوال ذلك يعسر جدّا . والعسر غير الممتنع .
وليس ينكر أرسطو أنّ بعض الناس يمكن فيه التنقّل من خلق إلى خلق أسهل ، وفي بعضهم أعسر ، على ما صرّح به في كتابه المعروف ب « نيقوماخيا » الصغير ، فإنّه عدّ أسباب عسر التنقّل من خلق إلى خلق ، وأسباب السهولة ، كم هي ، وما هي ، وعلى أي جهة كلّ واحد من تلك الأسباب ، وما العلامات ، وما الموانع .
فمن تأمّل في تلك الأقاويل حقّ التأمّل ، وأعطى كلّ شيء حقّه ، عرف أن لا خلاف بين الحكيمين في الحقيقة ، وإنّما ذلك شيء يخيّله الظاهر من الأقاويل ، عندما ينظر إلى واحد واحد منها على انفراد ، من غير أن يتأمّل المكان الذي فيه ذلك القول ، ومرتبة العلم الذي هو منه » « 1 » وقد تقدّم سابقا قول أرسطو « يمكن صيرورة الأشرار أخيارا بالتأديب ، إلّا أنّ هذا ليس كلّيا ، فإنّه ربما أثّر في بعضهم بالزوال ، وفي
هامش
( 1 ) كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين ، لأبي نصر الفارابي ، ص 95 .