وقد تحدث الوسوسة أو تشتدّ من جرّاء أنّ جهلة مثل هذا الإنسان الوسواسيّ يطرون عليه ويعتبرون وسوسته من الفضائل ، ويثنون على ديانته وقدسيّته وتقواه ، قائلين إنّه نتيجة شدّة الدّين والتقوى أصبح وسواسيّا ، مع أنّ الوسوسة لا ترتبط بالدّيانة أبدا ، بل هي مخالفة للدّين ومن ثمار الجهل وعدم العلم . ولكنّهم لمّا لم يبيّنوا له حقيقة الأمر ، ولم يبتعدوا عنه ولم يؤنّبوه بل على العكس مدحوه وأثنوا عليه ، استمرّ في عمله الشّنيع ، حتّى بلغ نهايته ، وجعل نفسه لعبة بيد الشّيطان وجنوده ، فأقصاه من ساحة قدس المقرّبين .
فيا أيّها العزيز ، بعد أن علم نقلا وعقلا بأنّ هذه الوساوس من الشّيطان ، وهذه الخواطر من عمل إبليس ، الّذي يفسد عملنا ، ويصرف قلوبنا عن الحقّ المتعالي . ومن المحتمل أنّه لا يكتفي بهذه الوسوسة في العمل ، بل يبدي البراعة ، ليدخل الوسوسة في العقيدة والدّين ، ويبعد دينك عن دين اللّه ، ويجعلك شاكّا في المبدأ والمعاد ، ويدفعك إلى الشّقاء الأبديّ . وإذا لم يستطع أن يضلّل أشخاصا عبر الفسق والفجور ، فهو يسلك سبيل العبادات والمناسك فيبطل نهائيّا الأعمال والأفعال الّتي يجب أن نتقرّب بها إلى اللّه ، ونعرج من خلالها إلى الحقّ المتعالي ويجعلها دوافعا للابتعاد عن ساحة القدس الربوبي جل شأنه والتقرب من إبليس وجنوده . وعلى أيّ حال ، يخشى منه أن يعبث في عقائدك . فلا بدّ من معالجة هذه الحالة بأيّ شكل كان ، وبواسطة أيّ ترويض ممكن » « 1 » .
هامش
( 1 ) الأربعون حديثا ، ج 25 ، ص 369 - 370 .