درجات مرقاة الكمال في سلّم الفضائل . والدليل على ذلك مؤتلف من مقدّمتين :
الأولى : أنّ التقدير المعنوي لمقدار تلك اللذّة المعنوية يقول لنا بفهم الوجدان : إنّ درجة تلك اللذّة توازي درجة الحبّ لذلك المبدأ النبيل ، وكلّما اشتدّ حبّه اشتد بقدره الالتذاذ به ، وكلّما ضعف حبّه ضعف بقدره الالتذاذ به .
والثانية : أنّ هذا الالتذاذ قد يفوق في بعض الحالات لذّة الراحة التي كانت تثبت في ترك التحرك نحو ذاك المحبوب ، وآية ذلك : أنّ الإنسان - عندئذ - لا يحسّ بالراحة النفسيّة في الترك ، بل يحسّ بأنّ راحته النفسيّة في الفعل فحسب ، في حين أنّ من لم يصل حبّه إلى هذا المستوى يحسّ بالتعب النفسيّ في عمله ، ولكنّه يتحمّل هذا التعب في سبيل محبوبه .
والنتيجة : أنّه - إذن - سيكون حبّه لذاك المحبوب غالبا على حبّه للدّعة والراحة ؛ لأنّه يوازي لذّته الغالبة على لذّة الدّعة والراحة ، ويكون وحده كافيا للغلبة على المزاحم « 1 » ، نعم ، لا شك أنّه يحصل - إضافة إلى ما حصل عليه من
هامش
( 1 ) قد تقول : إنّه يوجد في طرف الدّعة والراحة شيئان : حبّه للدّعة والراحة ، والتذاذه بهما .
وفي طرف المبدأ النبيل - أيضا - يوجد شيئان : حبّه للمبدأ النبيل ، والتذاذه بتحقيقه ، فصحيح : أنّ التذاذه بالمبدأ النبيل غالب على التذاذه النفسيّ بالدّعة والراحة ، ومن ثمّ يكون حبّه لذاك المبدأ غالبا على حبّه للدّعة والراحة ، لكنّ هذا لا يعني غلبة حبّه للمبدأ أو للّه أو لرضوان اللّه أو ما إلى ذلك على مجموع حبّه للدّعة والراحة والتذاذه بهما ، فقد يدّعى أنّ الغلبة على المجموع لا تكون إلّا بعد انضمام الالتذاذ بذلك المحبوب الشريف إلى حبّه .
والجواب : أنّ هذا غفلة عن الفرق بين حبّ الدّعة والراحة وحبّ اللّه أو حبّ رضوان اللّه أو حبّ الفضائل ونحو ذلك ، أو قل : هذا غفلة عموما عن اللذائذ الماديّة واللّذائذ المعنويّة ؛ وذلك لأنّه في اللذائذ الماديّة لا يتصوّر محرّكان ينضمّ أحدهما إلى الآخر ؛ لأنّ الحبّ في الماديات ليس إلّا حبّا للذّة أو للفرار من الألم ، ولولا التذاذه بالدّعة والراحة لما أحبّهما ، فليس حبّهما شيئا جديدا يضاف إلى اللذّة في الداعويّة ، في حين أنّه في الحبّ المعنويّ تكون اللذّة في طول الحبّ ، وليس العكس ، فلأنّ الشخص يحبّ ابنه مثلا وراحة ابنه يلتذّ براحته ، لا العكس .