وقد يقول قائل : إنّ حبّ الدّعة والراحة الموجود في الإنسان لا بدّ أن يتكاسر مع حبّ آخر ، ويقع مقهورا تحت شعاعه ؛ كي يتحرّك الإنسان نحو ما يكون في وضعه الأوّلي موجبا لسلب الدّعة والراحة . والمقصود بعلّيّة اللذّة والألم هو : أنّه لولاهما لما كان المحبوب الأصلي من المثل والقيم والمبادئ ورضا اللّه وما إلى ذلك قادرا على الغلبة على حبّ الراحة ، فلكي يغلب حبّ الراحة أو قل : ( لكي تصبح راحة الشخص في خلاف راحته الظاهريّة ) لا بدّ أن ينضمّ إلى تلك الغاية الشريفة غاية اللذّة أو الفرار من الألم ، وعند ذلك تكون الغلبة لمجموع الغاية الشريفة النبيلة مع اللذّة ودفع الألم على حبّ الراحة ، فيقوم الإنسان بالعمل النبيل ، ويكون الشخص بقدر ما كان من حصّة الدخل في الغاية لذاك المبدأ النبيل والشريف مستحقا للمدح والثواب ، وبهذا قد جمعنا بين القول بأنّه لا بدّ لتحريك الإنسان من وجود اللذّة والألم في المتعلّق من ناحية ، وبين نبل التضحيات في سبيل المبادئ والعقائد الحقّة والمثل والقيم العليا ورضا اللّه سبحانه وتعالى من ناحية أخرى . فليكن هذا نوع توجيه لكلام أستاذنا الشهيد رحمه اللّه .
إلّا إنّ هذا التوجيه ليس شاملا لمورد ما قد يتّفق من عدم وجود زحمة وأقل صعوبة في التحرك ، أو كان المطلوب هو الترك ولم يكن في الترك أيّ زحمة ومشقّة ، وإنّما يمكن تطبيق هذا التوجيه في موارد صعوبة العمل وفق ما هو مطلوب أخلاقيّا .
والظاهر : أنّ هذا التوجيه - أيضا - غير صحيح .
وتوضيح ذلك : أنّ عدم تحرّك الشخص من دون لذّة أو ألم لكون حبّه للمحبوب غير كاف لتحريكه ، ولكن مع دخول الحبّ كجزء للعلّة في الحساب يصبح كافيا له ، قد يكون صحيحا بشأن بعض السالكين ، ويكون هذا الشخص أعلى درجة ممّن لا يتحرّك إلّا من وراء اللذّة والألم ، ولكن ليس هذا هو آخر الدرجة الممكنة من
تزكية النفس — صفحة 71
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٧١