مثل من المثل التي يؤمن بها . وهكذا يمكننا أن نفسّر سلوك الإنسان بصورة عامّة في مجالات الأنانية والإيثار على حدّ سواء ، ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوعة : مادّيّة كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتع الجنسية وما إليها ، أو معنويّة كالالتذاذ الخلقيّ والعاطفيّ بقيم خلقيّة أو أليف روحي ، أو عقيدة معيّنة حين يجد الإنسان تلك القيم أو ذلك الأليف أو هذه العقيدة جزءا من كيانه الخاصّ .
وهذه الاستعدادات التي تهيّئ الإنسان للالتذاذ بتلك المتع المتنوّعة تختلف في درجاتها عند الأشخاص ، وتتفاوت في مدى فعليّتها باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثّر فيه ، فبينما نجد أنّ بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعيّة كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلا ، نجد أنّ ألوانا أخرى منها ربّما لا تظهر في حياة الإنسان ، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتّحها ، وغريزة حبّ الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعا تحدّد سلوك الإنسان وفقا لمدى نضج تلك الاستعدادات ، فهي تدفع إنسانا إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع ، وهي بنفسها تدفع إنسانا آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه ؛ لأنّ استعداد الإنسان الأوّل للالتذاذ بالقيم الخلقيّة والعاطفيّة الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامنا ، ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته ، بينما ظفر الآخر بهذا اللّون من التربية ، فأصبح يلتذّ بالقيم الخلقيّة والعاطفيّة ، ويضحّي بسائر لذّاته في سبيلها .
إذن ، فكلّ الويلات المنتشرة في العالم قامت على أساس مجموع أمرين :
الأوّل : هو حبّ الذات الكامن في نفس الإنسانيّة ، أو قل : تعشّق اللذّة وكره . الألم .
والثاني : انحصار المصالح التي تحقّق اللذّة وتعالج الألم في مصالح مادّيّة
تزكية النفس — صفحة 64
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٤