بروح الفداء والتضحية والنبل والشهامة عن درجة كنّا نفترضها ونتصوّرها إذ تبيّن أنّها - على أيّة حال - تنشأ من دافع حبّ الذات والأنا والالتذاذ .
فأجاب - رضوان اللّه تعالى عليه - عن ذلك بأنّ ما قلناه : - من أنّ اللذّة والألم هما اللذان يدفعان الإنسان النبيل إلى النبل والفضيلة ، كما يدفعان الإنسان اللئيم إلى اللؤم والرذيلة - لم نقصد به كون تلك اللذّة أو اندفاع الألم هما العلّتان الغائيّتان للفعل ، وإنّما قصدنا كونهما العلّتين الفاعليّتين ، فالذي يضحّي في سبيل مثل أو مبدأ ، أو في سبيل محبوب له ، كولد له أو صديق أو اللّه سبحانه وتعالى ، فهو لا يفعل ما يفعل لغاية التذاذه هو أو ارتياحه من الألم النفسيّ ، بل يفعل ذلك لأجل ذاك المثل أو المبدأ أو المحبوب ؛ لأنّه يعشق ذلك ، ولكن هذا العشق أو الحبّ قد جعل في الفعل لذّة أو في الترك ألما ، والإنسان خلق بنحو لولا هذه اللذّة أو ذاك الألم لما اندفع نحو ما يندفع ، فهذه اللذّة أو ذاك الألم هو الذي يؤثّر فاعليّا في اندفاعه نحو محبوبه أو في فراره من مبغوضه . إذن ، ففرق بين الغاية التي يندفع باتجاهها ، وهي : ما يحبّه ويريده والدافع الذي يدفعه بذاك الاتجاه دفعا فاعليا ، وهو : اللذّة الكامنة في الفعل ، والقيمة الخلقيّة تنشأ من شرافة الغاية وسموّ الهدف .
أقول : إنّ حصر العلّة في اللذّة والألم غير صحيح ، سواء كان الملحوظ هي العلّة الغائيّة أو العلّة الفاعليّة .
أمّا لو كان الملحوظ هي العلّة الغائيّة ، فإنّنا نستطيع توضيح بطلان ذلك بإلفات النظر إلى مقدّمتين :
الأولى : أنّ اللذّة والألم غير الحبّ والبغض كما هو واضح ، فإنّ الحبّ والبغض يتحقّقان قبل تحقّق المحبوب والمبغوض ، واللذّة والألم يتحقّقان بتحقّقهما ولو في علم الشخص ، أي : بالوجود العلميّ والذهنيّ لتحققهما ، سواء طابق الواقع أو لا ، فهما وليدا الحبّ والبغض ، بل هما وليدا العواطف المرافقة للحبّ والبغض ، لا وليدا
تزكية النفس — صفحة 67
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٧