التصوير الثالث : ما نسب إلى جمع من العرفاء : من أنّ أيّ وجود يفترض غير وجود اللّه - سبحانه وتعالى - يكون ذلك حدّا لوجوده تعالى ، سواء فرضناه وجودا استقلاليّا أو فرضناه وجودا تعلّقيّا ، فهو ما دام شريكا مع اللّه في الوجود ولو بمرتبة افترضناها نازلة فقد شكّل هذا الوجود حدّا لوجوده سبحانه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، ولا فرق في لزوم التحديد بين أن يفترض وجود في مقابل وجود اللّه صغير كجناح بعوضة ، أو ذرّة لا ترى بالعين ، أو هو أصغر من ذلك ، أو يفترض وجود من أعظم الخلائق وأكبرها ، وكذلك لا فرق بين أن يفترض وجود من أعلى مراتب الوجود شدّة وقوّة وكثرة ، أو من أدناها مرتبة وضعفا وقلّة .
وعليه ، فالواقع : انّ الممكنات أو الماهيّات في الحقيقة هي : شبكات لذلك الوجود المستقل المطلق ، وهو وجود اللّه تعالى ، ويرى من خلالها ذاك الوجود « 1 » .
إذن ، فصاحب هذا الرأي لا يقول : بأنّ العالم وهم وخيال ، أو اعتبار محض لا وجود له ، أو أنّ إطلاق عنوان الموجود فيه يكون على أساس مجرّد نسبته إلى وجود اللّه ، من قبيل : التامر ، واللابن ، نسبة إلى التمر واللبن . ولا يرى أنّ وجود اللّه حلّ في الوجودات الممكنة ، أو اتّحد معها ، أو ما إلى ذلك من عناوين تقتضي نوعا من الاثنينيّة أوّلا ، ثمّ الحلول أو الاتحاد ، بل يرى صريحا أنّ العالم - بكلّ ما يزخر به ظاهرا من الممكنات - شبكة يرى بها وجود اللّه الذي هو الوجود الحقيقيّ ، والمستقل ، والمطلق والبسيط ، وغير المشكّك ، وإن كان المرئيّ كأنّه يتقدّر بتقديرات اعتبارية باختلاف الشبكات التي يرى بها الرائي .
ويعتقد - عادة - أصحاب هذا المسلك : أنّ هذا سرّ لا يصحّ إفشاؤه أمام عامّة
هامش
( 1 ) راجع كتاب توحيد علمي وعيني ، تذييل السيّد محمّد حسين الطهراني على الرسالة الرابعة للشيخ الإصفهاني رحمه اللّه : 195 - 220 ، وصاحب التذييل يدّعي : أنّ هذا هو رأي جميع العرفاء باللّه .