تصويرات ثلاثة لا رابع لها بعد التسليم بوجود العالم حقيقة :
التصوير الأوّل : افتراض أنّ واجب الوجود أو الوجود المطلق لا يحدّه إلّا واجب مثله أو وجود مطلق مثله ، وأمّا الوجودات المخلوقة فليست حدّا لوجود الواجب ؛ ولهذا اجتمع بالفعل وجود واجب الوجود من ناحية ووجود عالم مخلوق له من ناحية أخرى .
إلّا أنّ هذا التصوير ما لم يرجع إلى التصوير الثاني يبدو بظاهره باطلا ؛ لما قد يقال : من أنّ الوجود المطلق إن كان مطلقا حقّا لم يبق مجالا لأيّ وجود آخر ، وأيّ وجود آخر يفترض في مقابل هذا الوجود يعني ذلك : انتهاء ذاك الوجود المطلق من حين ابتداء هذا الوجود . ومجرّد افتراض رابطة التعلّق بين الوجودين على شكل كون الوجود المطلق علّة أو خالقا ، والوجود الآخر المحدود معلولا أو مخلوقا ، لا يحلّ مشكلة استحالة وجود آخر إلى صف الوجود المطلق .
التصوير الثاني : افتراض أنّ إطلاق الوجود يعني إطلاق الوجود المستقل ، ولا تعارضه الوجودات التعلّقيّة ، فإنّنا لا نفترض وجودات مستقلّة متّصفة فيما بينها بصفة العلّيّة والمعلوليّة كي تحدّ تلك الوجودات المستقلّة المعلولة وجود العلّة .
وبكلمة أخرى : إنّنا لا نفترض أنّ نسبة الواجب - تعالى - إلى مخلوقاته كنسبة العلل والمعلولات المادّيّة التي ألفناها ، والتي يفترض فيها وجودان مستقلان بينهما رابطة التعلّق أو نسبة العليّة والمعلوليّة ، بل نقول : إنّ وجودات المخلوقات هي كلّها وجودات تعلّقيّة ، في حين أنّ وجود اللّه - تعالى - هو الوجود المستقل المطلق ، فليس هذا التعلّق خيطا رابطا بين شيئين مستقلّين ، بل المخلوق هو عين التعلّق والارتباط . وهذا هو الفهم السائد بين الفلاسفة الإسلاميين . وعلى هذا الأساس قالوا : إنّ علم اللّه - سبحانه - بمخلوقاته علم حضوريّ لا حصوليّ .
تزكية النفس — صفحة 57
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٧