يا ربنا ، ما بلغ بعبادك هذه الكرامة ؟ فيقول اللّه - جلّ جلاله - إنّهم كانوا يقومون بالليل ولا ينامون ، ويصومون بالنهار ولا يأكلون ، ويجاهدون العدوّ ولا يجبنون ، ويتصدّقون ولا يبخلون » « 1 » .
الرابعة : من علامات حبّ اللّه حبّ الجهاد وتعشّق الشهادة . وقد يكون ناظرا إلى هذا صدر الحديث الذي مضى ذكره قبل صفحات عن قصّة الحسين عليه السّلام في وقعة كربلاء : كان الحسين عليه السّلام وبعض من معه من خصائصه كلّما اشتدّ الأمر تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسكن نفوسهم « 2 » .
والسرّ في جعل هذه العلامة مستقلّة عن حبّ الموت الذي مضى الحديث عنه هو : أنّ هذا أعلى مستوى من مستويات البذل في اللّه والتضحية في سبيل اللّه ، فلا شيء لدى الإنسان من أموره الدنيوية أغلى من نفسه وحياته : لا ماله ، ولا أهله وعياله ، ولا أصحابه وأحبّاؤه ، فإذا بذل مهجته في سبيل اللّه متعشّقا ذلك ، كان هذا آية حبّه للّه تعالى .
وقد ورد في الحديث :
1 - عن الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السّلام أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « فوق كلّ ذي برّ برّ حتّى يقتل في سبيل اللّه ، فإذا قتل في سبيل اللّه فليس فوقه برّ . وفوق كلّ ذي عقوق عقوق حتّى يقتل أحد والديه ، فليس فوقه عقوق » « 3 » .
فالسرّ في كون القتل في سبيل اللّه فوق كلّ برّ ، ما أشرنا إليه : من أنّه أقوى درجات التضحية والبذل . والسرّ في كون قتل أحد الوالدين فوق كلّ عقوق : أنّ العقوق يحصل من هضم ذي الحقّ حقّه ، ولا يوجد بحسب الحقوق البشريّة فيما
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 139 .
( 2 ) راجع بحار الأنوار : 6 / 154 ، و 44 / 297 .
( 3 ) الوسائل 15 / 17 ، الباب 1 من جهاد العدوّ ، الحديث 21 .