والواقع : أنّ اختيار الإنسان ليس شيئا يثبت بالبرهان ، وإنّما هو أمر ثابت بالوجدان .
وقد اشتهر لتوضيح الاختيار التمثيل برغيفي الجائع وطريقي الهارب ، فيا ترى لو آمنّا بالجبر وعدم صدور الفعل إلّا بمرجّح يؤثّر قهرا في النفس أفلا يعني ذلك :
أنّ هذا الجائع لو لم يكن له مرجّح لأحد الرغيفين فسوف يموت جوعا . وهذا الهارب لو لم يكن له مرجّح لأحد الطريقين فسوف يستسلم لافتراس الأسد مثلا أو لوقوعه في أسر العدوّ ؟ ! أو ليست هذه النتيجة أمرا بديهيّ البطلان ؟ !
والواقع : أنّ ذكر هذه الأمثلة لو قصدت به البرهنة على الاختيار بما اتّفق حتّى الآن في العالم من أمثال هذه الأمثلة ، وأنّنا لم نر - ولا مرّة واحدة - أنّ من ابتلي بشيء من هذا القبيل - مع دوران حاله بين فعلين لم يعرف مرجّحا لأحدهما على الآخر - ترك الفعلين واستسلم للمحذور الذي يقع فيه لدى ترك الفعلين ، أمكن الإيراد عليه باحتمال وجود مرجّح في الواقع مؤثّر في لا شعوره غير ملتفت هو إيّاه تفصيلا .
أمّا لو قصد بذكر مثل هذه الأمثلة مجرّد تنبيه الوجدان على الاختيار ، فهذا الاعتراض لا يرد عليه ؛ لأنّ المقصود بذكر هذه الأمثلة - عندئذ - تنبيه الوجدان الحاكم بأنّه حتّى لو لم يكن في الواقع وفي اللّاشعور مرجّح لأحد الأمرين لن يستسلم هذا الشخص للموت بالجوع أو بافتراس الأسد أو لأيّ مشكلة أخرى ، بل يختار أحد الأمرين من دون مرجّح .
والانصاف : أنّ هذه الأمثلة من خير المنبّهات على الوجدان الحاكم بالاختيار .
وكذلك من خير المنبّهات على ذلك الوجدان الخلقيّ والاستحقاق الخلقيّ للمدح والذمّ والثواب والعقاب في أفعال الناس ؛ لأنّ ذلك لا يمكن أن يكون على الأفعال غير الاختياريّة .
تزكية النفس — صفحة 50
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٠