والذي يقف أمام الخضوع لحكم الوجدان بالاختيار هو البرهان الفلسفي المتخيّل لإثبات الجبر ، فنحن لسنا بحاجة إلى إقامة البرهان على الاختيار ، وإنّما نحن بحاجة إلى بطلان برهان الجبر ؛ كي يعمل الوجدان بعد إبطال برهان الجبر عمله في النفس ، ويتّضح لصاحب الشبهة الاختيار بعد زوال شبهته .
والبرهان الفلسفيّ للجبر مؤتلف من مقدّمتين :
الأولى : أنّ الاختيار ينافي الضرورة ، فإنّ الضرورة تساوق الاضطرار المقابل للاختيار ، من قبيل حركة يد المرتعش التي هي ضروريّة .
والثانية : أنّ صدور الفعل من الإنسان يكون بالضرورة ؛ لأنّ الفعل الصادر منه ممكن من الممكنات ، فتسوده القوانين السائدة على عالم الإمكان والتي منها أنّ الممكن ما لم يجب بالغير لم يوجد ، فبالجمع بين هاتين المقدّمتين يثبت أنّ الإنسان غير مختار في أفعاله ؛ إذ لا يصدر عنه فعل إلّا بالضرورة والضرورة تنافي الاختيار .
والبحث هنا مفصّل ، والوجوه والآراء حول الجواب عن ذلك متشعّبة ، وذكرها مع تقييمها لا يناسب المقام وبإمكانك - لو أردت التفصيل - أن تراجع كتابنا مباحث الأصول الجزء الأوّل من القسم الأوّل ضمن بحث ( دلالة الأمر على الوجوب ) والجزء الأوّل من القسم الثاني ضمن بحث ( الحسن والقبح العقليين ) « 1 » .
ونحن نقتصر هنا على ذكر ما أفاده أستاذنا الشهيد الصدر رحمه اللّه في المقام ردّا على مبنى فلسفيّ معروف .
ذلك أنّ الفلاسفة ذكروا : إنّ نسبة شيء إلى شيء - بعد فرض إخراج الامتناع من المقسم - إمّا هي الوجوب أو الإمكان ، فنسبة الشيء إلى قابله هي الإمكان
هامش
( 1 ) مباحث الأصول الجزء الأوّل من القسم الثاني : 527 - 534 .