النقطة الثالثة في الجبر والاختيار
لا يخفى أنّنا لو لم نؤمن بالحسن والقبح كمفهومين واقعيّين خلقيّين يستتبعان - عقلا - استحقاق المدح والذمّ ، لا من سنخ مدح اللؤلؤ على ضوئه وبهائه وذمّ حجر كريه المنظر على كراهة منظره ، بل من سنخ استحقاق خلقيّ يستتبع الثواب والعقاب ، بل فرضنا أنّ الحسن والقبح - مثلا - ليسا إلّا أمرين اعتباريّين ومجعولين من قبل العقلاء أو الشرع أو القانون ؛ لحفظ المصالح ودرء المفاسد ، فهذا المعنى الخاوي للحسن والقبح عن المغزى الخلقيّ ينسجم مع الجبر ، كما ينسجم مع الاختيار ، فحتّى لو قلنا بالجبر قلنا : إنّ جعل الحسن والقبح من قبل العقلاء أو القانون أو الشرع وفرض ثواب وعقاب على ذلك ، إنّما كان لفائدة انعطاف الإنسان إلى حفظ المصالح ودرء المفاسد ولو جبرا .
ولكن بعد فرض الإيمان بأنّ الضرورة الخلقيّة - وهي الانبغاء وعدم الانبغاء - أمر واقعيّ يتبعه المدح والذمّ الخلقيّان عن استحقاق عقليّ ، وكذلك الثواب والعقاب ، ( وهذا ما ادّعينا أنّ الضمير والوجدان شاهدان عليه ) فهذا لا ينسجم إلّا مع فرض الاختيار ؛ لشهادة الوجدان بأنّ المجبور لا يستحقّ مدحا ولا ذمّا ولا ثوابا ولا عقابا ؛ كما أنّ حركة يد المرتعش لا تمدح ولا تذمّ ولا يثاب عليها ولا يعاقب عليها إن ترتّب عليها شيء .