أقول : لا أدري كيف جعل استخراج أمور دقيقة غير مطابقة للواقع إفراطا في القوّة العاقلة وحدّة لها ، أفهل ترى لو استعملت القوّة العاقلة أكثر ممّا يسمّى بالحدّ الوسط أوجبت خطأ ولماذا ؟ أو ليست قوّة العقل والإدراك كلّما اشتدّت في الإنسان وقوي الإنسان على استعمالها كان ترقب كشف الحقائق أكثر ؟ ! وليس استعمال قوّة التفكير بمنهج غير صحيح وموجب للوقوع في الخطأ إلّا نقصا في عرض نقص عدم استعمال تلك القوّة أو البلادة الموجب للجهل البسيط ، وجعل استعمال القوّة العاقلة بالنحو الصحيح وسطا بين عدم استعمالها رأسا واستعمالها بشكل غير صحيح ليس - أيضا - إلّا تلاعبا بالألفاظ .
المقياس الثامن - حسن العدل وقبح الظلم :
بمعنى أنّ العناوين التي تحمل بذاتها الحسن والقبح إنّما هي العدل والظلم ، وما سواهما يكون حسنا إذا دخل في العدل ، وقبيحا إذا دخل في الظلم ، فضرب اليتيم - مثلا - ليس في ذاته حسنا أو قبيحا ، ولكنّه حينما يدخل في العدل كما في ضرب وليّه إيّاه لغرض التأديب يكون حسنا ، وحينما يدخل في الظلم كما لو كان لغرض الإيذاء لا التأديب يكون قبيحا . ومن هنا لا ترى مجتمعا أو شخصا اعتياديّا يناقش في حسن العدل أو قبح الظلم ، ولكن يجري الاختلاف في حسن أو قبح عناوين أخرى ؛ نظرا لاختلافهم في دخولها في العدل أو الظلم .
ثمّ إنّنا لو فسّرنا العدالة بمعنى يكون مترتّبا على سائر الفضائل ، من قبيل ما مضى عن بعضهم : من أنّ الفضائل الثلاث - وهي : الحكمة ، والعفّة ، والشّجاعة - إذا اعتدلت نشأ عنها العدل ، فلا معنى لفرض العدالة والظلم مقياسا للفضيلة والرذيلة ، بمعنى كونهما رأس الخيط لذلك .
ولو فسّرنا العدالة - كما مضى عن بعض آخر - بأنّها عبارة عن انقياد العاملة للعاقلة في استعمال نفس العاقلة وقوتي الغضب والشهوة ، كان هذا عبارة أخرى عن أنّ مقياس الفضيلة والرذيلة هو العقل .