بينهما ، لو عرض عليهم فمقتضى المشي على مشاربهم وأساليب بحثهم أن يجيبوا عن ذلك بأنّ الصدق والكذب ، أو الإرشاد والتضليل « 1 » - مثلا - ليسا من الفضائل والرذائل الأصيلة ، بل يرجعان إلى الفضائل الأربع وأطرافها ، كما قال في جامع السعادات « 2 » : إنّ الكذب في القول إذا نشأ من العداوة أو الحسد أو الغضب ، كان من رذائل قوّة الغضب ، وإذا نشأ من حبّ المال والطمع أو الاعتياد الحاصل من مخالطة أهل الكذب ، كان من رذائل قوّة الشهوة .
فالنراقيّ رحمه اللّه يعدّد مناشئ الكذب في القول ويرجعها إلى أصولها ، فمثلا إذا نشأ الكذب من قوّة الغضب فهو واقع في أحد طرفي الإفراط أو التفريط للغضب ، والحدّ الوسط له هو الشّجاعة ، وهكذا .
إلّا أنّ هذا الجواب - الذي في أكبر الظنّ سوف يجيبون به لو وجّه إليهم الإشكال - لا يسمن ولا يغني من جوع ؛ إذ هذا إنّما يتمّ لو قلنا : إنّ الصدق والكذب ، أو الإرشاد والتضليل ليسا بما هما حسنا وقبيحا ، وإنّما يتصفان بالحسن والقبح لدخولهما - مثلا - في التهوّر أو الجبن ، وهما قبيحان ، أو في الشّجاعة ، وهي حسن ، في حين أنّه ليس الأمر كذلك ، فقبح الكذب أو التضليل - مثلا - ثابت حتّى لو فرض عدم نشوئهما من التهوّر أو الجبن ، أو من أيّ طرفين من طرفي الإفراط والتفريط التي تذكر للفضائل الأربع .
وممّا يشهد لذلك أنّهم قد فسّروا التهوّر الذي هو طرف الإفراط للشجاعة بالإقدام على ما ينبغي الحذر منه ، والجبن الذي هو طرف التفريط للشجاعة
هامش
( 1 ) هذا التعبير الثاني فرقه عن التعبير الأوّل أنّه يشمل التورية - أيضا - ولا يختصّ بالكذب .
( 2 ) جامع السعادات 2 / 246 .