بالحذر ممّا ينبغي الإقدام عليه « 1 » فأخذوا في موضوع التهوّر والجبن عنوان ما ينبغي ، وهذا معناه ثبوت انبغاء وعدم انبغاء ( وهو حقيقة الأخلاق ) قبل التهوّر والجبن .
ولو تأمّلت فيما ذكرناه لا نفتح عليك باب واسع لنسف الأسس التي أسّس عليها علم الأخلاق في مثل كتاب جامع السعادات .
وأمّا النقض بالعدالة والظلم فإنّما يرد على مبنى عدّ العدالة فضيلة مستقلّة في مقابل سائر الفضائل ، ولا يرد على مثل النراقيّ في جامع السعادات .
وعلى أيّ حال ، فما قيل من أنّ العدالة وسط بين الظلم والانظلام مهزلة من الكلام ، فإنّ الانظلام يقصد به هنا قبول الظلم وعدم دفعه ، فإن عدّ هذا مشاركة في الظلم مع الظالم ؛ لأنّه كما لا يجوز ظلم الآخرين كذلك لا يجوز ظلم النفس إذن ، فالانظلام ظلم وليس طرفا آخر للعدالة غير الظلم ، وإلّا فليس الانظلام قبيحا .
ومن النقوض التي ترد عليهم مثال الحكمة لو بنينا على ما بنوا عليه من عدّ الحكمة من الفضائل .
وقد جاء في كتاب جامع السعادات « 2 » : أنّ حقيقة الحكمة هو العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه ، وهو موقوف على اعتدال القوّة العاقلة ، فإذا حصلت لها حدّة خارجة عن الاعتدال تخرج عن الحدّ اللائق ، وتستخرج أمورا دقيقة غير مطابقة للواقع ، والعلم بهذه الأمور هو ضدّ الحكمة من طرف الإفراط ، وإذا حصلت لها بلادة لا ينتقل إلى شيء فلا يحصل لها العلم بالحقائق ، وهذا هو الجهل ، وهو ضدّه من طرف التفريط ، فالحكمة وسط بين طرفين : الجربزة والبله ، أو السفسطة ( أي الحكمة المموّهة ) والجهل ( أي البسيط منه ) .
هامش
( 1 ) جامع السعادات 1 / 81 .
( 2 ) جامع السعادات 1 / 80 و 81 .