ضرورة الأنبياء والأولياء والعلماء ، فقد عرفت - إذن - أنّ أعلى المراتب في باب الزهد إيجابا وسلبا رتبة المستغني ، ثمّ الزاهد ، ثمّ الراضي ، ثمّ القانع ، ثمّ الحريص .
انتهى المقدار الذي أردت نقله من كلام الغزالي مع قليل من التلخيص ، ويسير من تغيير بعض العبائر .
وأورد عليه الفيض الكاشاني رحمه اللّه : بأنّه لم ير فرقا بين من سمّاه بالراضي ومن سمّاه بالمستغني ؛ فإنّه وصفهما جميعا بأنّ وجود المال وعدمه سيّان عنده ، وأنّه لا يفرح به ، ولا يتأذّى به « 1 » .
أقول : الظاهر أنّ الغزالي يقصد بالراضي : من يرضى بما لديه من غنى أو فقر ؛ نظرا لتساوي التذاذه بالمال لالتذاذه بالفقر ، فهو لم يرق مرتبة الكمال الذي يجعله مبتعدا عن حبّ المال في ذاته ، ولم يكن منحطّا إلى حدّ لا يرغب في الفقر في ذاته ، بل تساوت عنده الرغبتان وتكاسرتا ، فأصبح المال وعدمه عنده سيّان .
ويقصد بالمستغني : من كان المال وعدمه عنده سيّان أيضا ، لكن لا بملاك تكاسر الرغبتين ، بل بملاك انحصار رغبته في اللّه سبحانه وتعالى ، وانشغاله به ، وعدم التفاته لا إلى المال ولا إلى عدمه ، وشتّان الفرق بين المفهومين .
وعلى أيّة حال ، فالذي نفهمه نحن من الكتاب والسنّة وروايات أهل البيت عليهم السّلام ليس هو المدح للهروب من الدنيا المحلّلة فيما هو أكثر من قدر الاضطرار وبغضها وكرهها ، وإنّما الذي نفهمه منها عدّة أمور :
1 - مدح التجنّب عن الحرام والشبهات كما مضى ذلك في بعض الروايات ، وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
لا يغرّنك من المرء رداء رقعه * وقميص فوق كعب الساق منه رفعه
وجبين لاح فيه أثر قد قلعه * أره الدرهم تعرف غيّه أو ورعه
هامش
( 1 ) المحجة 7 / 316 - 319 .