تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تزكية النفس — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
بعضها ؛ لكشف تلك العيوب لغير من كملت بصيرته ، فإنّ اللّه - تعالى - إذا أراد بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه ، فمن كملت بصيرته لم تخف عليه عيوبه ، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ، ولكنّ أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم ، يرى أحدهم القذى في عين أخيه ، ولا يرى الجذع في عين نفسه ، فمن أراد أن يقف على عيوب نفسه فله أربع طرق : الأوّل : أن يجلس بين يدي بصير بعيوب النفس ، مطّلع على خفايا الآفات ، فارغ عن تهذيب نفسه ، فيحكّمه على نفسه ، ويتّبع إشاراته في مجاهدته ، ومن وجد ذلك فقد وجد الطبيب ، فليلازمه ، فهو الذي يخلّصه من مرضه ، وينجيه من الهلاك ، إلّا أنّ هذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده . والثاني : أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا ، فينصبه رقيبا على نفسه ؛ ليراقب أحواله وأفعاله ، فما يكرهه من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبّهه عليه حيث قد تغفل النفس عن عيوب نفسه ولكن تلتفت إلى عيوب غيره ، فإن كنت أغفل أنا عن عيوب نفسي كان بإمكاني أن أستعين في كشفها بغيري من صديق صدوق متديّن بصير ، فهكذا كان يفعل الأكابر ، وكان بعضهم يقول : رحم اللّه من أهدى إليّ عيوبي ، وكلّ من كان أوفر عقلا ، وأعلى منصبا كان أقلّ إعجابا ، وأعظم اتّهاما لنفسه . إلّا أنّ هذا - أيضا - قد قلّ وعزّ ، فإنّ الصديق قد يكون حسودا ، أو صاحب غرض ، أو يكون صديقا حقّا ، ولكنّه يداهنك بإخفاء عيبك عليك « 1 » ، وقلّ الصديق الذي يترك المداهنة فيخبر بالعيب . وقد كانت شهوة ذوي الدين أنّ ينبّهوا على عيوبهم بنصيحة غيرهم . وإذا بنا
هامش
( 1 ) وقد يكون حبّه لك مانعا عن التفاته إلى عيبك كما قيل :وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة * ولكنّ عين السخط تبدي المساويا