التوحيد والمعارف بعد النسيان بسبب التلبّس بغواشي النشأة ، وقد يكون التذكّر للمعاني التي حصلت بالتفكّر بعد نسيانها « 1 » .
وعلى أيّة حال ، فالتفكّر والتذكّر أمران متفاعلان ، وأحدهما يدعو إلى الآخر ، فإنّ التفكّر يورث التذكّر لما نسيه بسبب أغشية النفس ، كما أنّ التذكّر يورث الانتباه ، ومن ثمّ يدعو إلى مزيد من التفكير .
والأمر بالتذكّر وارد في القرآن الكريم بكثرة كاثرة ، كقوله تعالى :
. . . أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ . . .
« 2 » ،
. . . ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
« 3 » ،
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
« 4 » إلى غير ذلك من الآيات .
وكأنّ أحد أغصان التذكّر المهمّة المأمور بها في القرآن هو : تذكّر ما عهد إلينا في عالم الذر ، المنطبع في الفطرة سواء فرضنا عالم الذرّ نفس عالم الفطرة ، أو عالما أسبق به تكوّنت الفطرة الطاهرة ، فإنّ أغشية النفس أذهلتنا عن ذلك ولا نذكرها ، ولكنّنا نستطيع أن نتذكّرها بمعنى : الرجوع إلى الفطرة والتفتيش عمّا فيها والحصول عليها ، فقوله تعالى مثلا :
. . . أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ . . .
يعني : أنّ المقدار الذي تفضّلنا به عليكم من العمر كاف لوجدانكم لما هو الكامن في فطرتكم من التوحيد والمعارف .
وقد رتّب التذكّر في القرآن تارة على الإنابة ، وأخرى على اللب ، قال اللّه تعالى :
. . . وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
« 5 » ، وقوله تعالى :
. . . إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا *
هامش
( 1 ) راجع شرح منازل السائرين لكمال الدين عبد الرزاق الكاشاني : 34 .
( 2 ) السورة 35 ، فاطر ، الآية : 37 .
( 3 ) السورة 32 ، السجدة ، الآية : 4 .
( 4 ) السورة 2 ، البقرة ، الآية : 152 .
( 5 ) السورة 40 ، غافر ، الآية : 13 .