مقام تسويف التوبة بحجة أنّه ما دامت التوبة مقبولة قبل حضور الموت ، والسنة كثيرة ، والشهر كثير ، والجمعة كثيرة ، واليوم كثير ، فلا داعي لي إلى الاستعجال بالتوبة وحرمان النفس من اللذات والشهوات ، فقد أصبحت الوصفة هنا مضرّة لا نافعة ؛ لأنّ تأجيل التوبة وتسويفها يجعل الإنسان بين خطرين : خطر مباغتة الموت وحيلولته بين الإنسان والتوبة ، وخطر اشتداد رين القلب بالتمادي في الذنوب إلى أن ينحرم من التوبة ولا يتوفّق لها .
وقد ورد عن إمامنا أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال : « لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويرجّي التوبة بطول الأمل ، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين . . . » . إلى أن قال : « . . . إن عرضت له شهوة أسلف المعصية ، وسوّف التوبة . . . » « 1 » .
وقد روي عن لقمان أنّه قال لابنه : « يا بنيّ لا تؤخّر التوبة فإن الموت يأتي بغتة . . . » « 2 » .
فالذي يستعمل هذه الوصفة بهذا الأسلوب غير الصحيح وهو تأجيل التوبة لا يأمن الابتلاء في يوم موته بالوصف المنقول عن إمامنا أمير المؤمنين عليه السّلام فيما ورد في نهج البلاغة « 3 » من قوله : « . . . اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع باذنه على صحّة من عقله وبقاء من لبّه ، يفكّر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره ويتذكّر أموالا جمعها أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرّحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 687 - 688 ، رقم الحكمة : 150 .
( 2 ) المحجة 7 / 22 .
( 3 ) نهج البلاغة : 206 - 207 ، رقم الخطبة : 109 .