في نفسه ، وبإمكانك أن تحسب هذا الجانب - أيضا - جزءا من العرفان الإسلامي الصحيح ، فيكون تذوّق حبّ اللّه ، والالتذاذ بالوصول إلى اللّه ، وبتحصيل رضا اللّه جزءا من كلّ ، وهو : تفتيح منابع الخير المعنوية الكاملة في النفس البشريّة وتنميتها ، كما أنّ كلا من هذين الأمرين يساعد الإنسان على الأمر الآخر ، فالإيثار مثلا وكذلك باقي صفات الخير يقرّب الإنسان إلى اللّه ، كما أنّ الاقتراب إلى اللّه يحبّب إلى الإنسان جميع الخيرات .
وقد يكون الدافع للإنسان السالك في المراحل الأولى إلى الخير أو إلى تحصيل رضوان اللّه التذاذه بذلك ، وكلّما مشى في الطريق أكثر ازداد التذاذه الذي يكون دافعا له نحو الوصول إلى القمّة ، ولكن المفروض بالإنسان السالك أن يصل إلى مستوى يكون دافعه إلى الخير وإلى رضوان اللّه نفس الخير والرضوان لا الالتذاذ بهما ، وإن كان الالتذاذ يشتدّ - عندئذ - بذلك .
وعلى أيّة حال ، فقد اتّضح بكلّ ما سردناه : أنّ العرفان الذي تفترض نتيجته الفناء والذوبان بالمعنى الحقيقي للكلمة في اللّه عرفان كاذب ، بل قد ينتهي إلى الكفر والإلحاد ، والمعصومون عليهم السّلام منه براء . والعرفان الذي ينتهي إلى الفناء والذوبان في اللّه كفناء العاشق في المعشوق وذوبانه فيه المألوف في العشق المجازي بين الناس أنفسهم - بفرق أنّ قياس هذا العشق والفناء إلى ذاك العشق والذوبان قياس قطرة إلى بحر غير متناه - هو العرفان الصحيح الموروث عن المعصومين عليهم السّلام « واجعل لساني بذكرك لهجا ، وقلبي بحبّك متيما » « 1 » ويصل العارف إلى مستوى لا تبقى له إرادة في مقابل إرادة اللّه تعالى « . . . رضا اللّه رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفّينا أجور الصابرين . . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) دعاء كميل .
( 2 ) من خطبة للحسين عليه السّلام لدى عزمه على الخروج إلى العراق ، راجع البحار 44 / 367 .