سليمان خان - أنّه كانت لي جارية هربت منّي ، والتجأت إلى بيت المرحوم حجّة الإسلام ، وبعد برهة من الزمن أرجعها حجّة الإسلام إلى بيتنا ، وكتب لي رسالة مفادها : أنّه إن كانت هذه الجارية مقصّرة فاعف عنها لأجلي ، وأوص ملازمي البيت والخدمة بحسن المداراة معها . قال : فسألناها ذات يوم عن حالات السيّد حجّة الإسلام ، فقالت الجارية : إنّ السيّد كان ينجنّ بالليل ، ويعقل بالنهار ، فسألناها : وكيف ذلك ؟ قالت : حينما كانت تمضي قطعة من الليل كان ينشغل في مكتبته وصحنها باللطم على الرأس والبكاء كالمجانين ، وكان يناجي ويدعو إلى الصباح ، وعند الصباح كان يلبس عمامته ورداءه ويجلس كالعقّال .
نعم ، هذا هو مفاد كلام إمامنا أمير المؤمنين عليه السّلام حيث يقول في صفة المتّقين :
« ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض . . ويقول : لقد خولطوا ! ولقد خالطهم أمر عظيم . . . » « 1 » .
وقد ذكّرتني قصّة هذه الجارية مع حجّة الإسلام - حيث قالت عنه : إنّه كان ينجنّ بالليل ، ويعقل بالنهار - بقصّة رويت في ترجمة سلمان رحمه اللّه ، وهي : أنّه مرّ سلمان على الحدّادين بالكوفة ، وإذا بشاب قد صرع والناس قد اجتمعوا حوله ، فقالوا يا أبا عبد اللّه هذا الشاب قد صرع ، فلو جئت فقرأت في أذنه ، قال : فجاء سلمان ، فلمّا دنا منه رفع الشاب رأسه فنظر إليه فقال : يا أبا عبد اللّه لست في شيء ممّا يقول هؤلاء ، لكنّي مررت بهؤلاء الحدّادين وهم يضربون بالمرازب « 2 » فذكرت قول اللّه تعالى :
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
« 3 » .
الأمر الثاني : المضامين الراقية الشامخة العرفانيّة المنتشرة ضمن الكتاب والسنّة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 411 ، رقم الخطبة : 193 .
( 2 ) جمع مرزبة ومرزبّة بمعنى عصيّة من حديدة على ما ورد في المنجد .
( 3 ) معجم رجال الحديث 8 / 195 ، والآية : 21 في السورة 22 ، الحديد .