الثانية : ذكر الشعراني في الطبقات الكبرى « 1 » قال : كان الشيخ عبد القادر الجيلاني رضى اللّه عنه يقول : أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمسا وعشرين سنة مجرّدا سائحا لا أعرف الخلق ولا يعرفوني ، يأتيني طوائف من رجال الغيب والجانّ أعلّمهم الطريق إلى اللّه عزّ وجلّ ، ورافقني الخضر عليه السّلام في أوّل دخولي العراق ، وما كنت عرفته ، وشرط أن لا أخالفه ، وقال لي : اقعد هنا ، فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كلّ سنّة مرّة ، ويقول لي : مكانك حتّى آتيك ، قال :
ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات ، فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء ، ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ ، وسنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام ، ونمت مرّة بإيوان كسرى في ليلة باردة ، فاحتلمت ، فقمت وذهبت إلى الشطّ ، واغتسلت ، ثمّ نمت فاحتلمت ، فذهبت إلى الشط ، واغتسلت ، فوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرّة وأنا أغتسل ، ثمّ صعدت إلى الإيوان خوف النوم .
قال الشيخ الأميني رحمه اللّه تعليقا على هذه القصّة : اقرأه بإمعان وتبصّر في شأن هذا العارف معلّم طوائف من رجال الغيب والجانّ الذي اتّخذوه الطريق إلى اللّه ، وكان رفيق الخضر عليه السّلام ، وأعجب من إنسان لم يأكل سنة ، ولم يشرب أخرى ، ويتركهما ثالثة ، ولم تخرّ قواه حتّى يحتلم في ليلة شاتية أربعين مرّة ، ويعبث به الشيطان بهذا العدد الجمّ وهو فان في اللّه ، ولو كان اتّفق له ذلك خلال تلكم الأيّام التي كان يأكل فيها الدجاجة المسلوقة ، ويحيي عظامها كما مرّ لكان يعدّ بعيدا عن الطبيعة البشريّة ، وما أطول تلك الليلة حتّى وسعت أربعين نومة ذات احتلام وأغسالا بعدها على عدد الأحلام المتخلّلة بالذهاب إلى الشط والإياب إلى مقرّه ومنامه ، وبعد ذلك كلّه تبقى منها برهة يصعد الشيخ إلى الإيوان خوفا من النوم ، ولعلّه لو نام بعد نومته المتمّمة للأربعين لبلغ العدد الأربع مئة أو أكثر ، ولم يكن الشيطان يفارق
هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى 1 / 110 بحسب تخريجة كتاب الغدير 11 / 171 .