أراد اللّه أن يهديه بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، ولو كان الربّ هو الذي يعرف نفسه وليس غيره فما معنى إرسال الرسل وإنزال الكتب ؟ ! وما معنى ما يدّعيه صاحب هذا الكلام من تربية النفس بالعرفان ، وأيّ نفس يربّيها ؟ وهل يريد بتربية نفسه تربية العدم المحض المتمثل في التعيّنات الماهوية ، أو تربية اللّه سبحانه وتعالى ؟ !
وإمّا أن صاحبه يعتقد أنّه وإن كان هو غير اللّه إلّا أنّه بالتربية والرياضة والعرفان والسلوك يفنى في اللّه بالوصول إليه بخرق الحجب ، فلا يبقى غير اللّه ، فيكون الربّ هو الذي يعرف نفسه « 1 » .
والخطأ الفلسفي في هذا الكلام كما مضى هو : أنّ التجرد عن البدن والجوانب المادّية لو تمّ بمعنى الكلمة فالجانب المجرّد من النفس لم يكن نقصه وحدّه مخصوصا بما كان معه من البدن والمادّة وبنقائصهما وأعراضهما ، بل نفس إمكانه وحدوثه وفقره بما هو ، ومحدوديّة ذاته والتي كلّها تكون علائم تدل على النقص الذاتي الذي يمنع عن وصوله إلى مقام الربّ تعالى أمور ذاتية له ، فلا يمكنه التجرد عنها ، وذاتيّة النقص في الممكن المخلوق - أيضا - امر وجداني .
ويقول بعض « 2 » : إنّ التجرد الكامل ومن جميع الجهات لا يحصل إلّا بعد
هامش
( 1 ) أنظر الفارق الكبير بين تفسير خرق الحجب والفناء الكامل بمعنى أنّه لم يبق شيء غير الربّ ، والربّ هو الذي يعرف نفسه ، وبين ما يقوله آية اللّه جوادي آملي - حفظه اللّه - في تقدمته لكتاب سرّ الصلاة في الصفحة الثامنة عشر : من أنّ الخرق النهائي عبارة عن أن لا يرى الإنسان نفسه ، وليس عبارة عن الانعدام ، فإنّ الانعدام ليس كمالا ، وإنّما الكمال هو عدم الرؤية ، والسالك يصل في مقام الفناء التام إلى مستوى أنّه لا يرى شيئا غير اللّه ، فلا يرى نفسه ، ولا غيره ولا عدم رؤيته للغير ، ولا رؤيته للحقّ . . .
( 2 ) راجع تعليق السيّد محمّد حسين الطهراني على الرسالة المنسوبة لبحر العلوم : 39 - 40 ، والرسالة تسمّى سير وسلوك .