تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تزكية النفس وتهذيبها — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
الوجود ، هناك حيث يقول : الغذاء ورشدي ونموي تحكي عن المرتبة الإسمية الجسمية لذاتي ، وهناك حيث يقول : الحركة والشهوة والغضب لدي تحكي عن المرتبة الحيوانية للذات ، وهناك حيث يقول : الفكر والعقل لدي يحكيان عن المرتبة الإنسانية الراقية للذات . إذن للإنسان تعاريف وذوات مختلفة : الذات الجسمانية ، الذات النباتية ، الذات الحيوانية ، والذات الإنسانية . أما الأصالة والقيمة فهي لنفسه الإنسانية ، ذلك الشيء الذي يجعل الإنسان إنسانا ويميزه عن سائر الحيوانات ، وهو الروح الملكوتية المجردة والنفخة الإلهية . يصف اللّه الحكيم خلق الإنسان في القرآن بهذه الطريقة :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 1 » . وحول خلق الإنسان يقول :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ،
يصل إلى هذا المقام بواسطة هذه الروح الملكوتية ولهذا يأمر اللّه ملائكته :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
« 2 » . إذا كان الإنسان يستحق الكرامة فهذا عائد لروحه الملكوتية يقول تعالى :
* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
« 3 » . إذن إذا أراد الإنسان بناء ذاته ، فعليه أن يبني ذاته الإنسانية ويريبها ، لا أن يبني الذات الحيوانية أو الجسدية ، وهذا كان هدف الأنبياء أيضا ، حيث كانوا يريدون توجيه الإنسان لبناء وتقوية الجهة الإنسانية كانوا يقولون للناس : لا تنسوا أنفسكم ، يعني الذات الإنسانية فيكم ، لأنه لو ضحيتم بذاتكم الإنسانية فداء لأهوائكم وميولكم الحيوانية ، فستلقون ضررا كبيرا .
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون ، الآيات 12 - 14 . ( 2 ) سورة الحجر ، الآية 29 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية 70 .